شعار قسم مدونات

متى يعلنون وفاة الفراعنة؟

مآزق الهوية

بداية نعتقد أن التناول النقدي لموضوع الهوية الجماعية لأمة لا يقلل من الوطنية، بل هو حرص عليها. كما أنه يعبر عن رغبة في إحياء الانتماء الحقيقي وليس المرتبط بأمجاد ماضٍ سحيق ليس من الفطنة أن نتغنى به ونسقط الحاضر والمستقبل من أنشودتنا. ومن ناحية أخرى ننبه أن الأمة العربية والإسلامية استهلكت جزءاً كبيراً من طاقاتها في طرح تساؤلات عن ماهية الهوية؟ ولمن ننتمي ومن نحن؟ وكيف نحدث حاضرنا دون أن نخسر أمجاد الماضي؟ كما حاصرتنا مصطلحات الأصالة والمعاصرة والثابت والمتحول والمحلي والعالمي والمرتبط والمنفصل حصارا خانقا أعتقد أن أهم تداعياته تتجلى في حالة الفقر الإبداعي العام.

 

تبدو الإشكالية واضحة في معظم البلاد العربية بسبب انتمائها العقدي إلى الدين الإسلامي. ولذا فالسائد أن الهوية الإسلامية هي النموذج الأكثر قبولا في مشروع البحث عن الذات في العالم العربي ومن الناحية المعمارية والعمرانية فلم نندهش حين أثرت تلك المرجعية تأثيرا كاسحا على التوجهات المعمارية والعمرانية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وتطور الأمر بصورة أكثر درامية في العقد الأخير وخاصة مع أطروحات العولمة وتفسيراتها في السياق العربي والإسلامي والرضا بتصور العولمة بكل أبعادها كوحش يتربص بثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا.

 

الفاحص المدقق للتغيرات الحادثة في العمارة المصرية في العقد الأخير يلحظ عودة غير مفسرة إلى خيار الهوية الفرعونية كمرجعية تشكيلية وبصرية لبعض أهم المشروعات المعمارية والعمرانية وخاصة المباني العامة والمؤسسية والحكومية.

التاريخ والمعمار

تتعقد الإشكالية حين نتحول إلى بلد ذو حضارة متراكمة ومركبة مثل مصر وعاصمتها العريقة القاهرة التي تشكل تبعا لآراء أهم مؤرخي العمران مع إسطنبول وروما أكثر المدن تعقيدا في طبقاتها التاريخية. ليس هناك ضرر في الرغبة المخلصة للمحافظة على عنصر التاريخ، ولكن كل الضرر في سطحية المحافظة وتجاهل عامل الزمن وضرورة الاستمرارية. فالعمارة هي أسلوب لفهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.

 

استهلاك الرمز والتقاليد

يمثل الطرح الفرعوني ملجئاً آمناً في زمن تعاني فيه الدول العربية والإسلامية ومصر بينها من هزائم متتالية فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية. فالحقبة الفرعونية تذكر بل وتخدِّر المصريين خدرا لطيفا يدخلهم في عوالم المجد والانتصار والسيطرة على العالم التي مضى عليها آلاف السنين ولكن ما الضرر في الاستدعاء المستمر لهذا الماضي السعيد وخاصة أن ظروف الحاضر لا تقترح قرب عودته في المستقبل المنظور! دعنا نتأمل كيف استهلكت الفنون ورموز الحضارة الفرعونية في مشاركتنا المصرية في المهرجانات والمعارض العالمية والمنتديات الدولية، فجناحنا في بورصة برلين للسياحة فرعوني التصميم، وكذلك في القرية العالمية بمدينة دبي وحتى في معرض السجاد العالمي في هانوفر.

حاول أن تتصفح أي موقع إلكتروني رسمي مصري للوزارات أو المؤسسات ولا تندهش من زهرة اللوتس وأوراق البردي التي تزين المواقع. لماذا لا نستمع إلى المفكر "إدوارد سعيد" قائلا بأن "الحضارة الفرعونية مثل موسيقى بيتهوفن أصبحت ملك العالم كله". أنا بالقطع لا أدعو إلى التنصل منها ولكني أحث الجميع على تجاوزها تجاوزا بناءً يحفظ قيمتها ولا يحولها إلى مسخ تجاري مبتذل. وفي الوقت ذاته فإن التجاوز قد يحفِّزنا إلى تقديم مساهمة معاصرة في العالم المتعولم الذي نعيش خلاله اليوم.

 

الفاحص المدقق للتغيرات الحادثة في العمارة المصرية في العقد الأخير يلحظ عودة غير مفسرة إلى خيار الهوية الفرعونية كمرجعية تشكيلية وبصرية لبعض أهم المشروعات المعمارية والعمرانية وخاصة المباني العامة والمؤسسية والحكومية. وهو ما يثير جدلا حتميا، فمرجعية المبنى الخاص مزاجية شخصية أما مرجعية المبنى العام وخاصة الرسمي فهي تعبير عن توجه دولة أو مؤسسة أو سياسة عامة. والراصد لتحولات العمارة المصرية المعاصرة منذ بداياتها في أوائل القرن الماضي حتى العقد الأخير يتضح له تقلب المرجعية التشكيلية في النتاج المعماري من الحداثة إلى الإسلامية إلى ما بعد الحداثة كان منطقيا وارتبط بمتغيرات محلية او إقليمية أو بتوجهات فردية شخصية نابعة من تأثر المعماريين بتعليمهم وإعدادهم الغربي. ولكننا أيضا نرصد مباني مثل ضريح الزعيم الوطني "سعد زغلول" بطرازه الفرعوني ومحطة القطار الرئيسية بمدينة الجيزة وغيرهم، ما يعكس رغبة قومية في استخدام المبنى العام كمجال لتأكيد الهوية المصرية والوطنية التي لا تقبل المنافسة وهي الهوية الفرعونية، وخاصة في إطار زمني كانت مصر تحاول خلاله وخاصة على المستوى السياسي تأكيد زعامتها العربية والإقليمية. 

 

مشهد العودة للعمارة الفرعونية بدأ مع واحدة من أهم المسابقات المعمارية التي كان موضوعها الوصول إلى أفضل تصميم للمقر الجديد للمحكمة الدستورية العليا في موقع متميز بإطلالة رائعة على نهر النيل جنوب القاهرة. قام المتسابق الفائز بتغيير جذري للطرح التصميمي الأصلي الذي اختارته لجنة التحكيم ليتحول من تركيبة معمارية تفكيكية إلى توليفة فرعونية مسرحية وسبب هذا التحول كان رغبة معلنة من رئيس المحكمة في هذا الحين في أن يكون للمحكمة طراز كلاسيكي مثل المحاكم الإنجليزية؛ وحيث أن طراز الأخيرة هو غالبا كلاسيكي أوروبي فمن المنطقي أن يكون طراز المصرية كلاسيكي فرعوني! وبديهيا سيطيع المعماري خشية أن يخسر فرصة لا تتكرر لربط اسمه بمشروع هام ومؤثر معماريا وعمرانيا في تشكيل مدينة هامة كالقاهرة.

وبصرف النظر عن خلفيات المشروع وتدخل الغير مختص وتنازل المعماري عن فكره التصميمي إلا أن المشروع بعد بنائه وظهوره كتركيبة بصرية خارجة عن المعتاد والمكرر ولَّد موجة جديدة من الحنين إلى العمارة الفرعونية والرضا عنها كأكثر الإجابات منطقية للتساؤلات عما يعبر عن الهوية المصرية. تأمل أيضا مشروع "القرية الذكية" وهو المشروع الذي يهدف إلى إدخال مصر حقبة المعلوماتية ويحتوي المشروع مجموعة من المقرات لشركات الاتصالات والمعلومات، ولكننا نتوقف أمام مبنى وزارة الاتصالات؛ فالمدهش أنه مع كل التطورات الحادثة في مجال المعلومات وإمكانية استخدام المبنى كأداة معرفية  تتعاطى مع العصر وكذلك إنتاج تجارب فراغية تحفز قدرة المستعملين والزائرين، فإننا نفاجَأُ بتشكيل المبنى الذي انتهى أيضا إلى حوار ساذج بين تشكيل فرعوني سطحي قشري مع مستويات رأسية من الحوائط الزجاجية يعلوها جميعا كورنيش فرعوني ثم أهرام صغيرة.

 

الحادث الآن هو مجرد تزييف شكلي بعمق الجلد فقط لا يخترق العظام ولا يتخلل الفراغ المعماري فنحن بالقطع أمام ملصقات فرعونية وليس عمارة جديدة ملهمة من عبقرية العمارة الفرعونية.

أعرف بأنني اقتربت من حيِّزٍ شديد الحساسية وقد اُتَّهَمُ بالانفصال والانفلات وغيرها من التهم الفضفاضة التي تواجه العقل الناقد في عالمنا العربي، ولكنني أدعوكم وأدعو المعماريين المصريين ومتخذي القرار وخاصة في بناء المبنى العام الرسمي إلى تأمل ثلاث إشارات رئيسية ألمحها تومض بشدة في مشهد عمارة الفراعنة المعاصرة:

 

أ- إن انتقاء الحضارة الفرعونية كحقبة أساسية لتشكيل المرجعية البصرية للعمل المعماري المعاصر في مصر هو اختيار ظالم لبلد تتعدد وتتعقد به الحقب التاريخية الثرية والمتداخلة.

 

ب- من الناحية الفكرية الفلسفية فإن التعمق في فهم وتفسير حضارة الفراعنة وعلاقات الملوك والآلهة بعامة الشعب قد يستنكر استخدام لغتهم التشكيلية في مبانٍ ذات دلالة رمزية مجتمعية هامة مثل المحكمة الدستورية أو مشروعات التنمية.

 

ج- إن تعامل المعماريين مع الحقبة الفرعونية هو طرح شديد السطحية وهو تقليد مباشر وساذج لمفردات جامدة مثل الأعمدة بطرزها المختلفة دون أي محاولة للتجديد أو الإبداع أو حتى الفهم العميق لقيم تشكيلية تصميمية يمكن إعادة صياغتها أو توليدها بصورة مبدعة لإنتاج تجارب فراغية وبصرية غير مسبوقة. الحادث الآن هو مجرد تزييف شكلي بعمق الجلد فقط لا يخترق العظام ولا يتخلل الفراغ المعماري فنحن بالقطع أمام ملصقات فرعونية وليس عمارة جديدة ملهمة من عبقرية العمارة الفرعونية.