شعار قسم مدونات

قمة الضمير الميت

blogs - الثمة العربية
لعل شر البلية ما يضحك، فأسماء الأماكن نذير شؤم أو بشير خير لما يقع عليها، فسهل الزلاقة مثلا، الذي أعاد للمسلمين هيبتهم، في الأندلس ولو لحين، سميت المعركة التي شهدها باسمه، فأخذت الجيوش تنزلق على السهل من شدة وطيس القتال، وأرض كربلاء التي قتل فيها الحسين، سماها قبل موته بأرض كرب وبلاء، وذلك ماكان، واستمر إلى الآن.

واليوم اجتمع العرب على شاطئ البحر الميت، ولعله سمة إيذان واستخراج لشهادة وفاة رسمية لجامعة الدول العربية، وإعلان حفلة تأبينية، لا بأس تُلقى فيها بعض القصائد التمجيدية على منصات المنابر الدولية، لتاريخ مرير من التنازلات الوطنية، وسيذكر التاريخ يوما أن العرب اجتمعوا على بُعد بِضْعٍ أميال، من جِنين، وما زالوا عاجزين. عن قول لا…… في وجه الغاصبين، ولكن الآن اجتمعوا قرب القدس ليطالبوا بتحرير اليمن من اليمنيين، سيذكر التاريخ أن الجامعة العربية التي تأسست بإيعاز من الديبلوماسية البريطانية، سنة خمسة وأربعين. لم تجهز جيشا، ولم توحد صفا. لم ترأب صدعا، ولم تحرر أرضا.

سيذكر محدثو الأخبار أن أغلب دول العالم، يمر بينها قطار ليصل مختلف الأمصار. وحدودها في زوال، إلا دول العرب حدودها في نزاع، وعلى جل الأقطار، سيذكر المحدثون أن أرضا تدعى فلسطين، صارت بإقرار العرب…… إسرائيل، وأن مهد الأنبياء كانت قدسا، وصارت أورشليم، سيذكر المؤرخون أن العرب اجتمعوا قبل أن يصير الأقصى مبكى، وأن سكانها كانوا مواطنين، وبعد القمة الأولى صاروا على دول الكون، مجموعات لاجئين، وأن صهاينة العالم في تلك الأرض اجتمعوا بعد أن كانوا شتاتا مفرقين. وما زالوا مستوطنين.

منذ تأسيس جامعة الدول العربية في مصر، تغيرت وجوه الحاضرين فمنهم من مات، ومنهم من خلع، ومنهم من قتل، وقليل منهم من فهم، أن ليس في اجتماعهم أمل يرجى، خير ينفع أو حتى شر يدفع.

سيذكر المؤرخون أن القادة اجتمعوا قرب مخيمات اللاجئين، الذين كانوا قبل عقدين من الفلسطيين فقط، مشكلين، فصار لهم مؤنسون من العراق وسوريا معهم ينتظرون، نعم ينتظرون الفرج من مستشارة الألمانيين، أو نظرائها الأوروبيين، فرج تأشيرة تمر بهم إلى أرض "الكفار الظالمين"، كما كان يصورها لهم بعض الشيوخ المشهورين، اجتمع العرب على الطاولة، وتفرقوا على وقع لقطات المصورين، التي ستصير بعد مدة في طوابع البريد تذكارا، يلصق على برقيات المعايدين أو المعزين.

منذ تأسيسها في مصر، تغيرت وجوه الحاضرين فمنهم من مات، ومنهم من خلع، ومنهم من قتل، وقليل منهم من فهم، أن ليس في اجتماعهم أمل يرجى، خير ينفع أو حتى شر يدفع. ومنذ 1945 لم تكن إلا قمة الخرطوم، وحيدة من حيث شجاعة لائتها الثلاث، (لا تفاوض، لا صلح، لا اعتراف) بعدها تفتت السودان، وباركه العرب مهنئين، وتبعتها تنازلات العرب كالزوجة الخارجة الغاضبة من الزوج تبدأ بلا ولم ولن أعود، وزوجها لم ولا يريد أن يسترضيها حتى إليه تعود، فلا هو أبه بها، ولا هي حافظت على سموها، حتى صارت تستجدي عطفه وهو ما زال على كرامتها يدوس.

سيذكر المؤرخون أن بعض دول العرب تدفع ملايين من أجل أن تفتت جيرانها المسالمين، تدفع ملايين الغاز من أجل أن تستعدي في كل أبريل أصوات الإمبرياليين، لكي يستفزوا إخوة لها بأرضهم متمسكين، وصامدين، وأضاعت الطريق نحو جرح الأمة النازف، وأنفقت على جارها، ما يكفي لإعادة إعمارها. تستفزه بشتى الأسباب، وفي المنابر الخارجية لا تترك شتيمة، ولا ضغينة إلا وفي طريقه زرعتها، وبلا استحياء تجلس أمامه على الطاولة العربية.

بعد كل محطات الفشل، التي مرت منها جامعة العرب، وصلت لمكانها الأكثر تعبيرا ودلالة، البحر الميت لتموت مع كل مبادرات السلام، التي كانت تطرحها في كل قمة.

سيذكر التاريخ أن العرب ظلوا مسالمين مع المحتلين، فلم يرجعوا شبرا إلا بالمقاومين، فلبنان كان تحت الصهاينة الغاصبين، وبالمقاومة عاد الجنوب في ألفين، بعد ذلك بسنتين اجتمع العرب في لبنان، لا مباركين ولا مهنئين، ولكن متنازلين عما كانوا عليه في الخرطوم عازمين. مقابل رجوع جزء من أرض فلسطين، احتل سنة سبعة وستين، أما ما كان قد تم احتلاله قبل ذلك فهنيئا مريئا للمحتلين، وقبل ذلك في كامب ديفد، لخص الوضع أحمد مطر، في قصيدة تشهب العرب بالبقر، والقمة بالحضيرة.

الثور فر من حظيرة البقر
الثور فر
فثارت العجول في الحظيرة
تبكي فرار قائد المسيرة
وشكلت على الأثر
محكمة ومؤتمر
فقائل قال قضاء وقدر
وقائل لقد كفر
وقائل إلى سقر
وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة
لعله يعود للحظيرة
وفي ختام المؤتمر
تقاسموا مربطه وجمدوا شعيره
وبعد عام وقعت حادثة مثيرة
لم يرجع الثور
ولكن
ذهبت وراءه الحظيرة

وبعد كل محطات الفشل، التي مرت منها جامعة العرب، وصلت لمكانها الأكثر تعبيرا ودلالة، البحر الميت لتموت مع كل مبادرات السلام، التي كانت تطرحها في كل قمة. ولعل كرسي الملك محمد السادس، الفارغ يعبر وبصراحة عن رصاصة الرحمة، لنقول كلمة حق و لنكن صرحاء لا شيء يجمعنا إلا تفرقنا.