شعار قسم مدونات

علم نفس التدين (2).. عندما يعادي المتدين المجتمع

blogs - muslim man

نستمر في رحلتنا مع علم النفس والتدين ونكمل اليوم مع أمراض جديدة تشبه أعراضها مظاهر التدين مما يحدث لبساً عند الناس فيتصورون أن هؤلاء المرضى متدينون.. ونكمل اليوم سرد أمراض أخرى خلاف ما بدأناه في المقال السابق:

 

5- الهوس الديني:

الاضطراب الوجداني ثنائي القطبية مرض نفسي يتميز بدخول المريض في نوبات دورية من الاكتئاب والهوس.. وتتميز نوبة الهوس بنشاط زائد للمريض سواءً بكثرة حركة المريض وكثرة كلامه وانبساط مزاجه وقلة نومه وإحساسه بالقدرة على فعل أشياء كثيرة في نفس الوقت.. وفي أحيان يأخذ هذا الهوس صورة دينية فتكون بداية النوبة على شكل زيادة مفرطة في العبادات فيمكث المريض يصلّي طوال الليل، أو يقرأ القرآن لساعات طويلة، وقد تلبس المريضة أثناء النوبة النقاب، وقد يطلق المريض لحيته ويلبس القميص القصير ويتحدث كثيرا بالقرآن والأحاديث مع شعور بالعظمة؛ فيتحدث عن كرامات تحدث له أو فتوحات في فهم القرآن وتفسيره، وقد يصعد بعضهم إلى المواصلات ليدعو الناس فيتحدث فيما يتصوره الناس دينا وهو في الحقيقة يتحدث بكلام غير مترابط أو تتطاير أفكاره ويقفز من فكرة إلى فكرة، وقد يخرج أحدهم مسافرا إلى شيخه ليحضر مولد أحد الأولياء، أو ينخرط في جلسات للذكر الجماعي ليدخل في حالة من الانفعال الشديد نتيجة اندماجه في الذكر وربما يشعر أنه صاحب رسالة ومطلوب منه تبليغها أو يشعر أن هناك أسرارا خاصة قد تفتحت أمامه. والأخطر في الالتباس على التمييز ما يسمى بحالة الهوس الخفيف، حيث يستطيع المريض مع وجود هذه الأفكار الدينية أن يقوم بعمله ويتفاعل مع الناس بما لا يجعله مكشوفا بالنسبة لهم وخاصة في بدايات المرض حيث يبدو الأمر حالة من التدين والالتزام التي قد تحدث لأي شخص عادي خاصة وأن هؤلاء الأشخاص يكونون غير متدينين قبل المرض..

الهروب من وصمة المرض العقلي وإنكار لإصابة الأخ أو الابن بالمرض يكون عبر الذهاب إلى عالم الغيب للبحث عن تفسير لهذه الأعراض المرضية.

ويصبح السؤال الصعب هنا هو كيف نفرق بين المظاهر الدينية العادية وبين مظاهر الهوس الديني؟ وتكمن صعوبة السؤال في أنه في ظل انتشار ما أسميه بالتدين العشوائي القائم على التمسك بالمظهر دون الجوهر وبالطقوس دون الآثار الحقيقية للتدين على سلوك البشر؛ ومع شيوع الخطاب الديني العشوائي أيضا والذي يكرس هذه الحالة في المجتمع، فإن التفرقة بين الحالة المرضية العقلية والحالة المرضية الاجتماعية يكاد يكون مستحيلا لأنه في الحقيقة تمثل مظاهر التدين العشوائي مرضا اجتماعيا ربما يكون أخطر من المرض العقلي في آثاره على الفرد والمجتمع. ومن المفترض أن هذه الأعراض تكون خارج السياق الطبيعي، والطبيعي هنا هو مالا يعطل وظيفة الفرد العملية والاجتماعية.. فهناك اتفاق عام على أن تديُّن الإنسان يكون قوة دافعة له في حياته، فغاية وجود الإنسان هي إعمار الأرض وبالتالي فإن كل ما يعطل وظيفة الإنسان يكون مرضا يحتاج للعلاج سواءً نفسيا أو اجتماعيا.. هكذا بكل وضوح وحسم وبدون مواربة أو مجاملة.

 

6- الأعراض الذهانية ذات الصبغة الدينية:

والمقصود هنا هو الأعراض الإيجابية الذهانية مثل الضلالات والهلوسات.. والضلالة هي اعتقاد أو فكرة يؤمن بها صاحبها تماما ولكنها غير مقبولة عند من هم في مثل سنه أو تعليمه أو بيئته، والهلوسات هي إدراك بإحدى الحواس دون وجود مؤثر، ويغلب وجود الضلالات والهلوسات مع مرض الفصام، ولكنها قد تصاحب الاضطراب الوجداني في بعض الأحيان. وأشهر الضلالات الدينية هي ضلالات العظمة، حيث يعتقد أحدهم بأنه المهدي المنتظر، وأنه قد جاء لإنقاذ العالم وأنه صاحب رسالة ومعجزات، ومن كثرة انتشار هذه الضلالة كان هناك سبعة من المرضى في وقت واحد في القسم الذي أعمل به في المستشفى يدَّعون بأنهم المهدى المنتظر! وقد يتواكب ذلك مع هلوسات سمعية (أصوات يسمعونها) تُبَشِّرُهُم بهذه الرسالة أو تأمرهم بأفعال معينة، وقد يعتقد البعض الآخر من المصابين المرض بأنه "الله"، ويعتقد البعض بأنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر يرى بأنه المسيح، وقد يرى بعضهم الملائكة فيما نسميه الهلوسات البصرية، وقد يرى بعضهم الجن والشياطين بصورة مجسَّمة أو على هيئة صور على الحائط..

وفي الغالب يواكب ذلك ضلالات الاضطهاد مِنْ قِبَلِ مَنْ يرفضون رسالتهم، فهناك من يحيك لهم المؤامرات للقضاء على رسالتهم وقد تكون المخابرات الأميركية والإسرائيلية على علم بخطورتهم، فيشعرون بالمراقبة والمتابعة من قبل هذه الأجهزة، وقد يدركون الأمور بشكل يتوافق مع ضلالاتهم، فيرون في القرآن إشارات تدل على رسالتهم وعلى التبشير بهم وقد يتصورون أن هناك إشارات في برامج التلفزيون أو إيماءات لتوصيل رسائل معينة منهم أو إليهم وكل ذلك من منطلقات دينية! وقد لا يكون أحدهم يصلي أو يصوم أو ربما لم يستحم منذ شهور وهو يدَّعي هذه الرسالة أو هذه الصلة بالله. ربما يكون هذا النوع من الاضطراب أسهل في تمييزه، ولكن نقطة الالتباس هنا أن البعض يعزي هذه الأعراض إلى مس الجن أو العفاريت خاصة إذا كان الأمر مصحوبا بالهلوسات السمعية، حيث يصبح مؤكدا لدى العامة أن هذه الأصوات هي أصوات الجن أو أن ادعاء الشخص بكونه الإله أو النبي هو مس من الشيطان، وذلك ناتج عن الجهل الشديد بالأعراض الذهانية وغياب الثقافة النفسية الصحيحة، حيث أن هذه الأعراض يتم علاجها بمضادات الذهان وهي أعراض موجودة عند كل مرضى الذهان في كل أنحاء العالم.. ولكنه الهروب من وصمة المرض العقلي وإنكار لإصابة الأخ أو الابن بالمرض والذي يكون بالذهاب إلى عالم الغيب للبحث عن تفسير لهذه الأعراض المرضية.

 

إن الشخصيات المضطربة تمثل مشكلة كبيرة داخل إطار الاضطرابات النفسية من حيث تشخيصها وكيفية التعامل معها وبالتالي فإنها أيضا تسبب معاناة للمجتمع المحيط بها

7- العدوانية ضد دين آخر أو الانتماء الى دين آخر:

قد يأخذ شكل الضلالات الذهانية صورة عدائية ضد دين آخر أو أتباعه وأيضا صورة الرغبة في الانتماء إلى دين آخر، ونتيجة لخطورة هذا النوع لما يترتب عليه من ردود أفعال لدى العامة الذين يجهلون طبيعة هذا المرض؛ أفردنا لهذا النوع من الأعراض الدينية مبحثا خاصا، ويمثل حادث الاعتداء على كنائس الإسكندرية نموذجا لهذا النوع الذي نذكره، حيث تكونت ضلالات عدائية عند هذا المريض ضد المسيحيين؛ وقرر التحرك ضدهم بناءً على أوامر الهلوسات السمعية التي يتلقاها واضطراب الإدراك عنده لدرجة تَصَوُّرِ كل حدثٍ يمرُّ به في هذا اليوم وهو يحمل السكاكين متوجها إلى الكنائس لإيقاع عدوانه، وهو نوع من السيطرة لدى من يوجهونه من أجل القيام بمهمته المقدسة..

 

وليس معنى هذا إلقاء اللوم في كل الأحداث الطائفية على المرضى العقليين ولكن اخترت هذا المثال لأن المريض كان أحد مرضانا في المستشفى قبل الحادث بوقت قصير وبالتالي فكان لدينا يقين بصحة تشخيصه، وبأن ما فعله إنما كان ناتجا لتأثير ضلالاته وهلوساته، وليس للأمر أي أبعاد سياسية أو طائفية. وإن علم الجمهور العادي بإمكانية وجود هذه الحالة المرضية كان من الممكن أن يهدئ الخواطر ويجنب الوقوع في الأحداث المؤسفة التي كادت تتحول إلى مأساة، والصورة الثانية هي وقوع المريض تحت تأثير ضلالي بأنه ليس مسلما ويريد أن يعتنق المسيحية ويذهب إلى الكنائس لحضور القُدَّاس أو العكس أن يذهب المسيحي لإعلان إسلامه ويرفض انتماءه لأبويه واعتبار وجود أبوين مسلمين له تم خطفه منهم..

وفي إحدى الحالات جاء أحدهم معلنا أنه يهودي وغير اسمه إلى أحد الاسماء اليهودية وحاول دخول أحد المعابد اليهودية وتم إلقاء القبض عليه ليكتشفوا بعد التحقيق معه أنه يهذي بكلمات غير مفهومة فتم تحويله إلى المستشفى لتقييم حالته.. وهذا أيضا لا يحدث كثيرا وهو التوجه الى أهل الاختصاص، فيتحول الأمر إلى قضية طائفية يتصور منها كل طرف أن هناك من يحاول إدخال الطرف المريض في دين آخر، ويصل الأمر ببعضهم إلى تزوير وثائق متصورا أنه يساعد هذا المريض في دخول الدين الجديد، وتجد هيئات حقوقية تتدخل وتتحدث عن حرية العقيدة، والقصة تحتاج الى تخصص لمعرفة الحقيقة وإثباتها، وعندها أيضا سنجد من يشكك على أساس السمعة السيئة في استخدام المرض العقلي للهروب من المسؤولية الجنائية في كثير من القضايا والأحداث التي هزت الرأي العام وكانت تحتاج الى الشفافية والنزاهة بدلا من إلصاق التهمة بالمرض العقلي.

 

8- الشخصيات المضطربة:

إن الشخصيات المضطربة تمثل مشكلة كبيرة داخل إطار الاضطرابات النفسية من حيث تشخيصها وكيفية التعامل معها وبالتالي فإنها أيضا تسبب معاناة للمجتمع المحيط بها، فما بالك إذا اصطبغت بعض هذه الشخصيات بالصورة الدينية أو احتمت وراء الدين أو استغلت الدين، فإننا سنكون بصدد تركيبة معقدة ذات أبعاد يصعب التعامل معها وسنتعرض لبعض الشخصيات المضطربة في صورتها المتدينة:

 

إن الوسواسي المتدين لا يعرف إلا الحلال والحرام والحق والباطل وتتحول كل خلافاته الفكرية حتى في الفروع إلى خلافات عقائدية لا تحتمل إلا الكفر أو الإيمان.

1- الشخصية السيكوباتية (الشخصية ضد المجتمع):

إننا هنا بصدد النوع الثاني من هذه الشخصية وهي الشخصية السيكوباتية الإبداعية أو أصحاب الياقات البيضاء كما يطلقون عليهم.. الذين يظهرون في المجتمع في أماكن مرموقة وحساسة، بل وقد يبدون من حماة النظام والقانون، ولكنهم يستغلون القانون من أجل مصالحهم الخاصة. إنهم الفاسدون الكبار الذين يسرقون الملايين والمليارات.. في النسخة الدينية منهم تجدهم يُظهرون التقوى والورع والتمسك بالدين، ولكنهم يستغلون الدين أسوأ استغلال في تحقيق مآربهم حتى قيل في كيفية استغلالهم للدين: "أنك إذا فقدت حافظة نقودك ووجدها شخص عادي فتوقع أنها ستعود إليك، أما إذا وجدها أحد هؤلاء السيكوباتيين المتدينين فسيجد ألف تفسير ديني من القرآن والسنة ليبيح لنفسه الاستيلاء على حافظة النقود".. إن هذا المثل يجسِّد بشكل واضح هذا الاستغلال الفج من أدعياء التدين للدين لتحقيق مآربهم وأغراضهم.

إذن إذا رأينا من يستغل الدين أو ينتقل من موقف إلى موقف أو يستغل حاجات الناس.. فليس العيب في الدين ولكن العيب في الشخصية المضطربة السيكوباتية.. أي أن المتدينين يجب أن يفتشوا فيما بينهم عن هذه الشخصيات ولا يتعاملوا مع الأمور بسذاجة على اعتبار أن المتدينين من عجينة غير البشر. إنهم بشر بكل أخطاء البشر وخطاياهم، ولذا فإن سيدنا عمر بن الخطاب وهو يتحدث عن هذه الشخصية يقول: "لستُ بالخِبْ ولا الخِب يخدعني" فلسنا شخصيات سيكوباتية، ولكن الشخصيات السيكوباتية لا تخدعنا حتى ولو تدثَّرت برداء الدين. إنهم الاخطر من السيكوباتيين أنفسهم لأن سلطان الدين أقوى على النفوس من أي سلطان. لذا يمكنهم خداع الناس بسهولة مع صعوبة اكتشافهم.

 

2- الشخصية الوسواسية:

إنه الشخص الذي يطبق القواعد بشكل جدي فهو يتصور إمكانية التعامل مع البشر بالمسطرة وهذه القواعد التي يحكم بها على البشر ليست قواعد عامة متفق عليها بل هي رؤيته هو للأمور التي يريد أن يعممها على الجميع، ومن هنا يأتي عدم تكيفه مع من حوله أو مع المجتمع فهو يحاسب الجميع وفق قواعده ورؤيته. وتصبح المشكلة أكثر خطورة لو كانت هذه القواعد دينية أي يستمدها من فهمه للنصوص، ونسبة كبيرة من هؤلاء يكونون ظاهريين أي يتعاملون مع ظاهر النص دون روحه أو حتى مضمونه، وهم بذلك يضفون جانبا شرعيا على رفضهم للآخرين، فتجدهم يتعاملون مع الخلاف بصورة متطرفة.. مثلما لا يرى الوسواسي إلا الأبيض والأسود، فإن الوسواسي المتدين لا يعرف إلا الحلال والحرام والحق والباطل وتتحول كل خلافاته الفكرية حتى في الفروع إلى خلافات عقائدية لا تحتمل إلا الكفر أو الإيمان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.