شعار قسم مدونات

سيدة الحوريات تقطن في غزة

مدونات - مازن فقها
شهر بأكمله جالت في خاطرها الأسئلة وأعاقت نفسها عن نطق الجواب لفقد جرأتها في إعلانه، ربطت كلتا يديها على قلبها وبدأت تنصت لانتفاض دقاته بصمت! ماذا لو وافقت على الارتباط به؟ كيف لي أن أترك أهلي وبيتي وحتى جامعتي التي بقي لي عام على تخرجي من صرحها؟ سأغترب وسيغيب عني السند والأهل وأكتاف أمي الحانيات! هل أقوّي قلبي وأخوض المغامرة، أم أنها مجازفة مميتة إلى الحد الذي لن يفيد الندم وقتها؟ هل يحدث أن يبيع المرء أغلى ما يملك لأجل الارتباط بزوج الأحلام حتى لو أراد الإقامة فوق سطح القمر؟ ماذا وأنا أخشى العتمة، هل يعقل أن أقيم في مدينة تسيّر كافة أمورها على جدول منظم من العتمة المفرطة؟ ماذا وأنا أتنقل من مدينة لأخرى بين الخضرة والطبيعة بكل شراهة، هل يعقل أن أذهب لمدينة لها باب واحد مقفل منذ سنوات؟

كل ذلك تأرجح في عقل الفتاة ناهد عصيدة والتي أحبت مدينتها نابلس بشغف، لتعلن أخيراً موافقتها على الشاب مازن فقها الذي بدأ حديثه معها قبل عقد قرانه عليها، بقوله "قد تعيشين معي ليوم أو سنة أو للأبد، فأنا إنسان لا أعرف مصيري ومتى يحين أجلي، وخرجت من سجون الاحتلال وسأستمر في ذات الطريق الذي سلكته قبل الأسر ولن أتوقف، فهل تقبلينني زوجاً لكِ؟" كلماته زادتها إصراراً على موافقتها بالارتباط به والإبعاد برفقته إلى غزة.. ليقع عليه من الواجبات نحوها ما هو أكثر مضاعفة، فتمثل لها بقلب أمها وقت آلام المخاض حين أنجبت طفليه محمد وسما، وكان سندها بدلاً عن أخيها، وكان أباً لها في مداعبتها وإزاحة عن قلبها كدر الاغتراب، وكان لها صديق السحر وأوقات السكون.

زوجة مازن الذي قضى شهيداً بعد أن كان أسيراً محرراً من سجون الاحتلال بدت صلبة قوية صابرة، عملاً بوصية زوجها حين همس في أذنها تكرراً "بأن لا تنكسري بعد استشهادي ولا تكثري من الدموع".

لتمضي برفقته ستُ سنوات من السعادة والحياة الممتلئة بمفردات الاستقرار وعطش الحنين لذويهما، فما كان منها يوم أن تقرر حفل تخرجها من صرح الجامعة الإسلامية بغزة إلا أن تقف مترجلة برفقة زوجها أمام جمهور الخرجين وذويهم وتلقي كلمة تجمع فيها شتات أشواقها الممتزجة بكلمات شكرها على قدرها بأن اختار لها زوجاً كمازن.. أمسكت مايك الحفل وارتفعت بنبرة صوتها قليلا "مازن كان حكمه تسع مؤبدات وخمسين سنة قضى منهم عشر سنوات في سجون الاحتلال، واخترت أن أكمل حياتي معاه، لكن بعد زواجنا ما انتهت المعاناة لأنه أهلي وأهل زوجي تم منعهم من السفر بشكل نهائي، وانحرمنا من شوفة أهلينا من ست سنوات".. تفاعل الجمهور معها بدموع الفرح والتصفيق لصمودها، لتطلب من الأمهات أخيراً بإسماعها الزغاريد بدلاً عن أمها الغائبة "زغردولي".

ملخص سنوات حياتها الزوجية أعلنتها من على منصة حفل تخرجها برفقة زوجها الذي تنازل عن حسه الأمني قليلا وانتصب بجانبها واقفاً يحمل بين يديه شهادتها الجامعية، لتسجل بأنها المرة الوحيدة في حياتها التي تجتمع وإياه في صورة واحدة منذ زواجهما، وكأن القدر أنطقها ورتّب الأحداث كما يجب.

بعد خمسة عشر يوماً تماماً وقفت على ذات المنصة، وقفت تتحدث مترجلة أمام الجمهور، وقفت وهي تصنع ابتسامة الرضا على وجنتيها، وتحبس الدموع وتبتلع أوجاعها وتتجاوز مصابها بكلماتها المكدسة بحجم فاجعتها بعد أن قضى مازن على أيدي مجهولين بأربع رصاصات بسلاح كاتم للصوت، واحدة استقرت في رأسه والبقية قد اخترقت صدره غدرا، لتطلب ناهد من جمهورها بإطلاق الزغاريد مرة أخرى، لكنها هذه المرة ليست لأجلها بل لأجل زفاف زوجها الشهيد.

زوجة مازن الذي قضى شهيداً بعد أن كان أسيراً محرراً من سجون الاحتلال بدت صلبة قوية صابرة، عملاً بوصية زوجها حين همس في أذنها تكرراً "بأن لا تنكسري بعد استشهادي ولا تكثري من الدموع"، لتأخذ على نفسها عهداً ألا تغادر قطاع غزة لتأنس بجثمانه، لتصنع بقربه من طفلها محمد مازن آخر.. أسرار مازن، تفاصيل حياته، يومياته ورفيع أخلاقياته، صلواته الخاشعات، كلها بقيت في صدر وذاكرة ناهد وحدها، فكم مرة مرنت ذاكرتها على استعادة أجمل اللحظات وقت أن كان مازن قد غادر فراشها ليلا إلى ميادين القتال والجهاد.

ناهد حين طبعت على جبين زوجها قبلة الوداع، لم تره كما رآه العامة مدرجاً بالدماء، بل ابتهجت حين أمعنت النظر في وجهه الضاحك، فلم يكن منه إلا أن يبتسم لها ويهمس في أذنها "سأبقى معك إلى الأبد"، لتبادله بذات الكلمات "وأنا سأبقى أرافقك إلى الأبد حتى أني لن أغادر غزة التي أحببتها، لأصنع من طفلك محمد مازن جديد وقائد عنيد مثلك".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.