شعار قسم مدونات

الثورة السورية عدو كل شيء لا لشيء

تعلن فئة من السوريين الثورجيين عدائها جدياً لأوروبا وأميركا والأردن ودول الخليج العربي وحكامهم والأكراد السوريين ومعظم الأقليات السورية وحتى لناشطي حقوق الحيوان ومحبي الطبيعة، ولكل عداوة سبب جاهز وهو تخاذلهم عن نصرة الثورة بالشكل الذي يريده هؤلاء. 

رغم أن منظمات المجتمع المدني الأوروبية والأميركية وحدها صرفت ملايين الدولارات "فعلياً" لدعم نشاطات الثورة السورية الإغاثية والتعليمية والفنية وغيرها، وأمنت مصدر دخل لآلاف الشباب السوري، الذي تشرّد في دول الجوار وداخل المناطق المحررة التي أصبح السكن فيها مطمعاً لأبناء مناطق النظام بسبب فرص العمل في المنظمات الغربية والرواتب العالية نسبياً، وهذا لا يعني تنزيه الغرب وإعفائه من كل مسؤولياته تجاه المجازر التي حصلت في سوريا بسبب التخاذل الدولي وإمعان الثوار السوريين بارتكاب الأخطاء الجسيمة.

الوحيد الذي نجح بكسب قلوب السوريين الثوريين هو رجب طيب أردوغان، الذي فتح الحدود للسوريين حينما كانت هذه الانفتاحة تدر المليارات على بلاده، وأغلقها حين ارتأت مصلحة بلاده غير ذلك، ليصار إلى تسليم حلب للنظام باتفاق روسي-تركي لم تخفه تركيا من الأصل بل جاهرت به، ثم تسليم بعض مناطق الشمال السوري للنظام بعد تحريرها من داعش مفضلة "أنقرة" النظام على الأكراد السوريون لا لشيء سوى لعداء الحكومة التركية مع الأكراد، وتطلعها لوأد أحلام الكرد بفيديرالية تتحقق على أرض الواقع شئنا أم أبينا.
 

تحالفات أندادنا سواء النظام أو الأكراد هي حكمة وحنكة سياسية منهم تحسب لهم لا عليهم، وحبّذا لو كنا أكثر وفاءاً وتعاوناً مع حلفائنا مثلما هم مقاتلي الأسد مع الشيعي الإيراني الذي جاء لطمس هويتهم.

دول الخليج العربي التي ينعتها الثورجيون بالتخاذل عن نصرة الثورة عطّلت الكثير من علاقاتها في المنطقة وبدّلت كل تحالفاتها على إثر الثورة السورية في موقف مبدأي وعروبي داعم للثورة السورية إعلامياً وإغاثياً وسياسياً، عدا عن تضامن شعب دول الخليج مع الثورة السورية ومآسيها وكأنها حلّت بأهلهم، لم تكن دول الخليج مضطرة لفتح جبهات عسكرية وكلامية مع إيران لولا التصعيد بين الطرفين وحالة التحزّب التي جرت والتي كان مهدها الثورة السورية، إضافة إلى التوتر الطائفي في العراق.

حين بدأت قناتي الجزيرة والعربية أكبر المؤسسات الإعلامية الخليجية العربية بفضح جرائم النظام وعرض مجازره وحتى انتهاكاته للمظاهرات السلمية، لم تكن إيران على أبواب قطر وتهددها، لا بل لم تكن حتى قادرة وللآن على مس دول الخليج المحصّنة والمؤمّنة بسوء، وخاصة حين تربط هذه الدول علاقات متينة قائمة على الثقة والتعاون المشترك مع دول عظمى سواء أكانت أميركا أم روسيا، بينما تتخبط طهران في عزلتها دون أن تنجح في الخروج منها حتى في عصر روحاني المعتدل.
 
لم تكن الحملات الإغاثية التي قامت في السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات من أجل ردع الخطر الإيراني عن دول الخليج، لأن هذا الخطر ببساطة غير موجود بالشكل الذي يصوره بعض السوريين، فكم من سوري كتب لأهل الخليج "ميليشيات إيران الإرهابية ستدق أبوابكم بعد حلب".. هذه الحملات كانت لأجل الانتماء العربي والإسلامي والأخوة التي تجمع هذه الشعوب مع الشعب السوري، فمسألة تعريض أمن دول الخليج للخطر ليس أمراً بهذه البساطة، وإيران اليوم أو البارحة لا تحاول فقط أن تبث الفوضى في هذه الدول، بل من هي تعمل على هذا منذ عقود وتفشل، وكشف خلايا الإرهاب المدعوم من ميليشيات إيران في البحرين مراراً وتكراراً دليل على فشلها في تصدير الفوضى والعزلة لدول الخليج.

لا أؤمن بالمؤامرة كثيراً وأعتقد أن ثورتنا كانت قد تضاءلت منذ زمن لولا الإعلام والمال والتضامن العربي الذي ذهب بعيداً جداً في دعمنا دون أن ننجح كثيراً في استثمار هذا الدعم، والالتزام بأي تعهد جدي عقدته الدول مع الثوار على الأرض، فكم من رجال دين وإعلاميين وحقوقيين مخطوفين لدى فصائل للثورة لم يتمكن قياديين عرب بالتوسط لإطلاق سراحهم وهذه إحدى مشاكل الثورة الأساسية التي يعبر عنها الغربيون "لا يوجد رأس" أو بالأحرى "لا يوجد كبير عند الثوار" أي لا عرب دفعوا الملايين لأجل الثورة ولا أكبر السياسيين السوريين المعارضين قادرين على التأثير بفصيل يريد أن يقوم بجريمة أو سرقة أو عملية خطف على الأرض، الأمر الذي وجده الأميركيون عند الفصائل الكردية حتى دعموها، على الرغم من أنها فصائل سنية مسلمة في صفوفها الكثير من المتدينين.

النظام أيضاً أكثر تماسكاً من الثورة وفصائلها، وهناك كلمة واحدة في معسكر النظام تطبق على الجميع دون تهاون وتفرقة وخلافات عدا عن وفاء مقاتلي النظام لأبعد حد لحلفائهم "الإيرانيين والروس" حتى ظن البعض أنهم أعطوا النظام أكثر مما أعطانا أصدقاؤنا، إلا أن الحقيقة مغايرة تماماً والأموال التي صرفت على الثورة السورية في شتى القطاعات بمليارات الدولارات، وهي أكبر من قدرة أي إنسان عاقل على التصور بأنها لم تحقق الانتصار للثورة في بلد العملة فيه رخيصة وأقل من مئة ألف دولار قادرة على السيطرة على مدينة كاملة فيه!

تحالفات أندادنا سواء النظام أو الأكراد هي حكمة وحنكة سياسية منهم تحسب لهم لا عليهم، وحبّذا لو كنا أكثر وفاءاً وتعاوناً مع حلفائنا مثلما هم مقاتلي الأسد مع الشيعي الإيراني الذي جاء لطمس هويتهم وإلباسهم رداء الملالي الأسود الذي لا يشبه بأي شكل من الأشكال شعب يسمع الحاصودي ويقرقع المتة منذ أن فتح عيونه على الدنيا!