وللمرض نعمة يامعشر الأصحّاء!

مدونات، المرض

قد يبدو لك هذا العنوان غريباً للوهلة الأولى إذ كيف لإنسان أن يتحدث بلغة أخرى ترى في المرض نعمة وليست مصيبة ونقمة تحل بالإنسان، لكن من المؤكد أن المرض له أنواع كثيرة منها ما يصيب الجسد وهو ما سأتحدث عنه في مدونتي هذه، ومنها ما يصيب النفس كالاكتئاب وغيره، وهذا يرتبط كثيراً بالأمراض الجسدية ويتعلق بدرجة رئيسية بالجانب الروحي كما يرى علماء نفسانيين، ومن وجهة نظري فإن أصعب الأمراض التي يعاني منها الإنسان هو مرض انعدام المشاعر وفقدان الضمير الذي يجعل الإنسان ذو نزعة شريرة، يرى كل الأشياء من منظور ضيق.

"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى" حكمة مشهورة لم تأت من فراغ، وتخبرنا هذه الحكمة عن أهمية الصحة في حياة الإنسان والتي تكتسب أهميتها عند إصابة الإنسان بالمرض، فيرى التاج الذي كان يتربع فوق رأسه ماثلا أمامه في لحظات الضعف، وهي لحظات صعبة للغاية لكنها ضرورية في حياة الإنسان كونها تتيح له المقارنة بين حالتي الإنسان في الصحة والسقم، وبدون المرض لن تتحقق هذه المقارنة، وكما يقال الأشياء تعرف بالضد.

المرض يا صديقي يظهر تركيبتك الآدمية الضعيفة التي تحتاج إلى غيرها ليساعدها للتخلص من هذا الضعف حتى يعود سليماً معافى، فلا قوة لإنسان أمام المرض مهما كانت قوته، وفي أشد لحظات الألم يتساوى الضعيف والقوي، وهي رسالة للأقوياء المتجبرين لمراجعة حساباتهم في ظلمهم للمستضعفين وأخذ حقوقهم بالقوة، فلحظات المرض هي فترة للمحاسبة مع النفس لتصحيح الكثير من الأخطاء والتصرفات اليومية.

المرض ليس نقمة كما تصوّره لنا أنفسنا الشريرة، وإنما نعمة تتيح لنا التعرف على الكثير مما يصعب إدراكه في الحالة الصحية، فلولا المرض لما شعرنا بمعاناة المرضى حتى نشاطرهم آلامهم

كما أن المرض يظهر مدى صبر الإنسان ورضاه عن أقدار الخالق من عدمه، وفيه يتجلى ضعف الإنسان وافتقاره إلى الله، وما أجمل أن يجثو المريض بين يدي الله خاضعاً متذللاً سائلاً الشفاء من مولاه، محققاً العبودية الكاملة بين يدي الخالق، قال تعالى "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" البقرة155-156، وفضلاً عن ذلك فللأمراض فائدة أخروية تتمثل في التكفير عن الذنوب والخطايا، فهي تطهير وتمحيص للإنسان من الشوائب التي تضر النفس البشرية.

المرض ليس نقمة كما تصوّره لنا أنفسنا الشريرة، وإنما نعمة تتيح لنا التعرف على الكثير مما يصعب إدراكه في الحالة الصحية، فلولا المرض لما شعرنا بمعاناة المرضى حتى نشاطرهم آلامهم، ولولا المرض لما وجد الطب والأطباء والمراكز الصحية التي ما كان لها أن ترى النور لو لم يشعر أصحابها بمعاناة المرض لتركوا غيرهم يموتون بكل هدوء دون بذل أي مساعدة.

المرض الجسدي أقام صروحاً أدبية، و لم يغب عن روائع الأدب العربي، وهناك من الشعراء من وجد نفسه مريضاً فكتب أبياتاً خلّدت اسمه، كما هو الحال مع الشاعر العربي المتنبي الذي أصابته الحمّى فأنشد قصيدة ذائعة الصيت، ومما جاء فيها قوله وهو يتغزّل بالحمّى: وزائرتي كأن بها حياءً وليس تزور إلا في الظلام.

أصل الأمراض التي تصيب الجسد كما يرى الكثير من العلماء المختصين يعود إلى الأمراض النفسية التي تعد أخطر بكثير من الأمراض التي تصيب الجسد كونها تتعلق بالجانب النفسي للإنسان كما هي الكآبة التي ترتبط ارتباطا وثيقاً بالجانب الروحي للإنسان، ومدى التزامه بغذائه الروحي الذي يربطه بالخالق العظيم.

لك الحق في أن تختلف معي في توصيف المرض وما إذا كان نعمة أو نقمة أو حالة وسطى، وهذا يعود بالطبع إلى تجاربنا الشخصية مع الأمراض وتوصيفنا لها، وما قلته هو نتاج معايشتي للمرض الذي أرى فيه إبرة الطب التي تؤلم الجسد لكنها تعود عليه بالنفع، ولولا المرض لما كان للصحة معنى.



حول هذه القصة

كتاب الجهاد في الغرب: صعود السلفية المقاتلة

حاول فرايزر إيغرتون بكتابه “الجهاد في الغرب.. صعود السلفية المقاتلة” فهم تلك الحركة وخلفيات “المخيال السياسي” الذي يسمح للأفراد بـ “تصوّر أنفسهم جزءًا من معركة عالمية بين قوى الإسلام والغرب”.

Published On 4/4/2017
A man counts U.S dollars and Euros at a money changer office in central Cairo, Egypt, December 27, 2016. Picture taken December 27, 2016. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

أفاد بيان صادر عن مجلس الوزراء والبنك المركزي في مصر بأن احتياطي البلاد من النقد الأجنبي ارتفع إلى 28.5 مليار دولار بنهاية الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى منذ مارس/آذار 2011.

Published On 4/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة