كيف يُحكم المغرب؟

blogs - morocco

الملك أهم عضو في النخبة السياسة، دوره وحدود تدخله في الحقل السياسي -كي لا نقول عنها مطلقة- لكن هي مبهمة وغير دقيقة بالتفصيل، فحتى مع وجود النص الدستوري إلا أن الواقع يعطيه سلطة غير واضحة المعالم ودون حدود واضحة لتدخله ذاك.
 

علاقة الملك بالنخبة المخزنية هي في الظاهر يمكن أن نعتبرها علاقة ولاء وإخلاص للعرش فقط، لكن في الباطن هي أقرب لعلاقة واتفاق دفاع مشترك، فكل طرف يوفر الحماية اللازمة للآخر، فالولاء ليس مجانياً بل هو أساساً للحصول على تلك "الحظوة" التي توفر لصاحبها سلطة ومزايا كبيرة أقل ما يقال عنها أنها لا يحدها لا قانون ولا أي شيء آخر غير سلطة الملك أو سلطة من هم الأكثر قرباً منه.
 

تحيط بالملك نخبة من الأتباع المخلصين، لكنه يسعى لجلب نخبة من روافد هامشية كذلك إلى داخل شبكة أنصاره بما يخلق نوعاً من التوازن داخل الجماعات، ومع ربط هذه الأخيرة لمصالحها بمصالح القصر فالأخير يسعى لتأكيد دائم للحفاظ على هذا النسق باعتباره عائلة كبيرة ملفتة مهما كانت الاختلافات بين ممثليها.
 

التسليم التام بمبدأ التفوق المطلق للعرش هو القاسم المشترك بين هذه الجماعات، وتتجلى القاعدة الوحيدة من قواعد اللعبة السياسية التي لا يشوبها أي غموض ويؤدي خرقها إلى عقاب مباشر، وهو أن شخص الملك ومؤسسة العرش لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تهاجم أو تتعرض للنقد بصورة مباشرة وعلنية ولا أن يرد لها أي طلب من هذه الفئات بالضبط.
 

من المهم جداً إعادة تسليط الضوء على كتاب "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية بالمغرب" وذلك في محاولة لفهم آليات اشتغال النسق السياسي، ومعه فهم مختلف العلاقات والفاعلين الرئيسيين داخله خاصة المؤسسة الملكية والمخزن.

ولكونه واضع قوانين اللعبة ومقرر أنواع العقاب والمكافئة ولذلك فهو يدفع بالنخبة للشعور الجماعي إلى أنها مدينة له بكل ما تملك من امتيازات، ويظل الجيش والداخلية في حالة احتياط ضد كل من يريد إنكار حق الملك في تسيير اللعبة حسب رغبته، مع حرص الملك على التذكير في كل خطاباته أن السلطة والهيبة الدينية تمده بسند شعبي تجعله فوق الجماعات التي تكون النخبة.
 

في الغالب لا تكون للملك استراتيجية بعيدة المدى، لذلك فهو يعتمد على وزارة الداخلية في البرامج الكبرى الهامة أو للقيام بتدابير استعجالية لمواجهة خطر طارئ دون غيرها (أحداث الحسيمة، التوتر في الكركرات..)، وهي إلى جانب الجيش وسيلتين أساسيتين لممارسة السلطة وهما بارتباط وثيق بالعرش، كما أنهما أكثر القطاعات التي تكون ذات الحظوة المخزنية وتبقى وزارة الداخلية هما عنصرا الثقة الأساسي للملك.
 

يحرص الملك لكي يكون أكبر موزع للامتيازات في المملكة، فهو يشرف على توزيع جميع الصفقات المربحة والمعاشات المربحة، وتشكل هذه الوسائل عوامل ضغط فعالة على النخبة، ويتم توظيفها لخلق علاقات الولاء وتوطيدها.
 

سلوك الملك كحكم يخضع لبعض المبادئ البسيطة، عدم السماح لأي جماعة أن تتقوى أكثر من اللازم، وتشجيع كل المنافسات والانقسامات الممكنة للحيلولة ضد هيمنة أي واحدة منها، ومن جهة أخرى عدم قبول انقراض أي جماعة مهما كانت، بما في ذلك أحزاب المعارضة إذ يمكنها أن تجمد أو تعطل نشاطها مؤقتاً شريطة أن تحتفظ بشعلة من الحياة يمكن إحياؤها عند الضرورة (الأمر يسير مع حزب الاتحاد الاشتراكي الذي يدفع القصر كي يبقيه على قيد الحياة).
 

وبما أن الجماعات السياسية المغربية تتشكل عادة من رئيس وأتباع فان أفضل وسيلة لإبقائها على قيد الحياة تتجلى في السهر على ألا يفقد الرئيس كل نفوذه، ويتجلى هذا النفوذ عادة في إمكانيات الاتصال المباشر مع الملك، فبواسطة عدد من المبادرات الرمزية مثل المشاورات الرسمية والتكليف بمهام في الخارج الخ… يتم دائماً مساعدة القادة على الاحتفاظ بقسط أدنى من ثقة أتباعهم لكي تتوفر لديهم إمكانية تأسيس جماعتهم من جديد في الوقت المناسب (ومن المرجح جداً أن يقوم بالأمر نفسه مع بنكيران حيث سيعمل على عدم انتهائه سياسياً ليتم توظيفه في مهمة ما مستقبلاً.
 

من السلوكيات الملكية أنها لا تربط مصيرها بالجماعات التي تساعدها على الظهور، (الأحزاب الإدارية التي آخرها الأصالة والمعاصرة، …إلخ) وعدم تبني مواقفهما أو برامجهما، وإن كان يستطيع الاستفادة من نجاح أي حركة تعمل باسمه، كما يمكنه أن يتخلى عنها في حالة إخفاقها ليتم إعداد جماعة أخرى.
 

إشراف الملك على التعيينات الكبرى والترقيات هو مكافئات وتوزيع للمنافع على النخب الوفية أكثر ما هو تعيين مبني على الاستحقاق، كما أن التعيين في الإدارة يستعمل لأغراض فرض الوصاية على النخبة.

بالمقابل فالمخزن لم يشكل سوى ائتلاف مصالح، إذ لم يكن يمثل فكراً بناءً أو إرادة إيجابية موحدة، بل كان هدفه الأسمى ينحصر في البقاء لفائدة الجماعات والأشخاص الذين يكونونه. لكن ما يميز الأخير هو أنه يعاني من أنانية أعضائه وعدم استقرارهم، حيث تكون حظوة الملك من عدمها هي الكلمة السحرية في العادة لبلوغ الثروة الهائلة أو السقوط والإفلاس عند الغضبة فصراعات النفوذ على مستوى النخب المخزنية تلعب دوراً لا يقل عن الدور الذي لعباه على مستوى مجموع المملكة، هناك استمرارية مثيرة بين الماضي والحاضر.
 

هذا الأمر يجعل في كثير من الأحيان صراعات الأشخاص والمجموعات قاسية ودائمة دون شفقة، وكانت المكائد والمؤامرات فيما بين أطراف المربع القريب من البلاط هي السمة الأصل للوضع، بل أصبح الأمر أشبه بحروب أجنحة للوصول والتقرب من العرش.
 

القلق حول المستقبل يزيد من احتدام الطموحات ومن إشباع رغبات اللحظة الآنية، فالأمر في بعض الحالات ونتيجة التوتر الحاد والخوف الشديد من خسارة الموقع يصل ببعض أصحابه إلى القيام بأشياء قد لا يستسيغها عقل المواطن العادي وقد يجدها أحياناً ضرباً من ضروب الجنون، لكن في العرف السلطاني فذلك دليل على الوفاء والإخلاص للعرش الذي يتطلب مكافئة وحظوة لصاحبه.
 

مناصب الإدارة تشكل مصدراً هاماً من مصادر الثروة (عمال، ولاة، مدراء مؤسسات عمومية، كتّاب عامين، سفراء…)، لذلك فإشراف الملك على التعيينات الكبرى والترقيات هو مكافئات وتوزيع للمنافع على النخب الوفية أكثر ما هو تعيين مبني على الاستحقاق، كما أن التعيين في الإدارة يستعمل لأغراض فرض الوصاية على النخبة، أو تطويق الأتباع الجدد أو حتى تجميد المعارضين ونادراً ما يتم رفض هذا التعيين.
 

الخلاصة هذا جانب من العلاقة المبهمة والمتشعبة بين القصر والنخب المخزنية، حيث في هذا الإطار تعتبر دراسة الباحث الأمريكي "جون واتربوري" "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية بالمغرب" من الكتابات القليلة التي تمكنت من فهم واستيعاب كيفية اشتغال المنظومة المخزنية بالمغرب وقليلون غيره من تمكنوا فعلاً من فهم وتفكيك العناصر والميكانيزمات التي تتحكم وتؤثر في الحقل السياسي في المغرب.
 

وللمفارقة فالدراسة المنشورة منذ أواخر الستينيات تٌبقي إلى اليوم عنصر أول لا محيد عنه لمن يبحث عن الكثير من الإجابات الوافية لما حدث ويحدث في مغرب الأمس واليوم ففي عمله ذاك رصد الباحث وفكك تلك العلاقة المتشعبة بين الملكية والنخبة السياسية، وقد سعى في ذلك إلى الوصول لذلك الجواب الذي لا يزال يؤرق بال الكثيرين إلى اليوم وهو كيف يُحكم المغرب؟
 

لذلك من المهم جداً إعادة تسليط الضوء على هذا الكتاب الذي استخلصنا منه جزء من أفكار هذا المقال وذلك في محاولة لفهم آليات اشتغال النسق السياسي، ومعه فهم مختلف العلاقات والفاعلين الرئيسيين داخله خاصة المؤسسة الملكية والمخزن.



حول هذه القصة

عبد الإله المنصوري

يخضع المنصوري تجربة الملك محمد السادس في الحكم بالمغرب لمبضع التشريح والتقويم بعد مرور عشر سنوات عليها, للوقوف على نجاحات التجربة وإخفاقاتها بهدف تلمس الطريق نحو المستقبل وتجاوز سلبيات الماضي, لكنه يؤكد أن المغرب أجاد كغيره من العرب إستراتيجية الفرص الضائعة.

مقال رأي بقلم
Published On 27/2/2010
الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب

سجل كتاب “الإدماج السياسي للقوى الإسلامية في المغرب” سبقا في إخضاع تجربة الإسلاميين السياسية للرصد، وتتبع عملية إدماجهم داخل المجال العام وسياقها ومسارها وشروطها, مسلطا الضوء على علاقة الإسلاميين بنظام الحكم وسماتها وأبعادها وتطوراتها.

Published On 4/4/2011
King Mohammed VI of Morocco leaves a bouth before casting his ballot at a voting station in Sale, near Rabat, on July 1, 2011. Moroccans voted today in a referendum on curbing the near absolute powers of King Mohammed VI, who has offered reforms in the wake of protests inspired by pro-democracy uprisings around the Arab world. AFP PHOTO/ ABDELHAK SENNA

قالت مجلة نيوزويك الأميركية في تقرير لها عن المغرب، إن الملك محمد السادس استطاع أن يمسك بدفة الحكم في وقت عصيب تجتاح فيه الثورات والاحتجاجات العالم العربي وأسقط فيه ثلاثة حكام عرب إلى حد الآن.

Published On 29/8/2011
Young members of Justice nad Development Party attend the eigth edition of the National Youth Political Education Forum on 'Youth, reform and anti corruption' in Tangier on August 30, 2012. AFP PHOTO / ABDELHAK SENNA

طرح شباب حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب في مؤتمر استمر أسبوعا تساؤلات عدة بشأن من يدير دفة الحكم في البلاد، ولم يترددوا في توجيه انتقادات لحفل الولاء للملك وللحكومة التي يقودها حزبهم للمرة الأولى في المملكة.

Published On 2/9/2012
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة