صفات القيادة.. تأخر عند المغنم وتقدم عند المغرم

blogs - حركة حماس
يعيش قطاع غزة في الآونة الأخيرة، ظروفا قاسية للغاية، تتقاذف المرابطين أزمات وتهديدات من كل واد، فلا يكاد يمر يوم إلا وتحل مصيبة، أو يُلوح له بأخرى، فعظمت البلوى على المجتمع المحاصر أصلا منذ أكثر من عشرة أعوام، لكن لا يخفى أن الشهور الأخيرة هي الأصعب على الإطلاق، من مختلف الجوانب الحياتية.

ولست أتحدث هنا في افتعال تلك الأزمات، إن كانت مخططا إقليميا للقضاء على المقاومة، أو كانت ثأرا شخصيا مع غزة، من بعض المحسوبين على شعبنا للأسف، ولا كذلك السيناريوهات المستقبلية، ومع أني كغيري أحمل وجهة نظر في الأمر، لكني لست من أهل هذا الذكر، وقد تكلم في ذلك من هم أعلم به مني، إلا أن حديثي هو حديث مسلم يعز عليه ما يعيشه بلده، ويود أن يذكر نفسه وشعبه، بجمله من المنجيات في الملمات، أقتبسها من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن هذه المنجيات، رسالة إلى المجتمع بكل مكوناته، رسالة أكتبها بقلبي، راجيا أن تصل إلى القلوب، فتصدر أوامر صارمة عن حب واقتناع، إلى الجوارح بضرورة التنفيذ العاجل، وهي على عدة مستويات، ولذلك فإني أقدمها على حلقات، وشاءت قدرة الله سبحانه وتعالى، أن تكون الحلقة الأولى جزءا من كتاب بدأت به، أستعرض فيه مفهوم وأنواع ومراحل وأركان النصر، مسترشدا فيه بالسيرة النبوية، وقد وجدت توافقا عجيبا بين واقعنا وواقع أهل الدعوة الأوائل، فأسأله جل وعلا أن يوفقني لتمامه، وأن يجعله خالصا أبتغي به عظيم ثوابه.

وأبدأ بالرسالة الأولى، التي أوجهها للمسؤولين في قطاع غزة، وأظن أن كثيرا مما أقوله في الرسائل كلها، يعلمه القراء أكثر مني، لكنه الشعور بالمسؤولية، والنصح الذي أمرنا به.

الحقيقة أن الحركة الإسلامية، وهي تعيش الحصار، تواجه تحديين خطيرين، هما: الحفاظ على تماسك صفها الداخلي، واستمرار التفاف المجتمع المسلم على الفكرة الإسلامية.

تعديل الخطة:
إن مكر أهل الباطل بأهل الحق يأتي لتحقيق هدف رئيس، وهو رد المؤمنين عن دينهم، فإن لم ينجحوا في ذلك، عدلوا إلى الخطة الثانية، وهي المكر بأهل الإيمان لتغييبهم عن المشهد، بواحدة من ثلاث، وهي: الاعتقال، والاغتيال، والتهجير، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

وما كان الحصار إلا وسيلة؛ لتحقيق غاية من هذه الثلاثة، وهي قتل محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الانحياز للشعب، كان خطوة استباقية من أبي طالب، ومن تحالف مع رسول الله من المسلمين والكافرين؛ لإنقاذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم، يفعلها المؤمنون تعبدا لله، ويفعلها الكافرون حمية، وهي محمودة لهم، فكم من غير المسلمين من يقفون في وجه الباطل، فيرفضون الظلم الواقع على المسلمين، ويتضامنون معهم، تضامن الإنسان مع أخيه الإنسان، ورأينا ذلك من المتضامنين مع الشعب الفلسطيني ضد الحصار.

فلما رأت قريش ذلك من بني عبد المطلب، حولته إلى حصار ظالم، تضيق فيه الخناق على من تضامن مع نفسه، تحارب من انحاز إلى إنسانيته، وانتصر للفضيلة، حتى لو كانت من مخالف في المنهج والفكرة، تحارب المبادئ والقيم، بسلاح المقاطعة، بسلاح الجوع، مصادرة الحقوق، واستغلال حاجات الناس، علهم يذعنوا فيخضعوا فيسلموا محمدا، والتسليم هنا من جهتين، فإما أن يسلموا جسده فينال العدو منه بالقتل، وإما أن يسلموا فكرته، فينفضوا عنها، ويعلنوا عدم حاجتهم إليها؛ لأنها جرت عليهم المآسي والآلام، وهنا قد يبقى القائد السابق للدعوة (المعزول) على قيد الحياة، لكنه في حكم الميت، فلا سمع ولا طاعة له، ولا أنصار ولا أتباع، وتبقى الفكرة حبيسة عقل صاحبها، فلا تتحول إلى منهج حياة، وأسلوب تغيير.

انقضت سنة الحصار الأولى، فلم يحدث أن تلقت قريش وعدا بتسليم النبي، فيتخبط القوم، وتحتار عقولهم، كيف يجوع أولئك ويشرف أبناؤهم على الموت، فلا يتراجع منهم أحد؟ كيف يمكن التسلل إلى قلوب أناس يقدمون حياة نبيهم على حياتهم؟، أسئلة تدور في أذهان سادة قريش، ومراكز صنع القرار فيها، لكن صوت الكبر، يحثهم على المواصلة، ويعدهم النصر، وما يعدهم إلا غرورا.

تحديات خطيرة:
والحقيقة أن الحركة الإسلامية، وهي تعيش الحصار، تواجه تحديين خطيرين، هما: الحفاظ على تماسك صفها الداخلي، واستمرار التفاف المجتمع المسلم على الفكرة الإسلامية، وذلك على النحو التالي:

– التحدي الأول: الحفاظ على تماسك الصف الداخلي:
هذا التحدي خطير، فكيف تحافظ الحركة الإسلامية على الانضباط بالفكرة والمنهج، وعدم الشذوذ عن المنهج الذي رسمته الحركة لنفسها على مدار سنوات طويلة؟ إن عدم الإجابة على هذا السؤال تعني بروز تيارات مختلفة الرؤى والتصورات والأفهام داخل الصف الإسلامي، وقد يتطور ذلك إلى الحالة الأخطر، وهي انشقاقات من الجماعة الأم؛ فيكون ذلك سببا لتشتيت المواقف والجهود، وتشتت أبناء الدعوة. ومن أجل الحفاظ على ذلك الهدف المهم ينبغي التركيز على أمر مهم، وهو القرب الحسي والمعنوي من أنصار المشروع الإسلامي، وهذا ضمانة التواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

العزيمة ليست فقط في العلاقة مع العدو، وإنما تعم جوانب الحياة كلها، في العبادة، والمعاملة، والأقوال، والأفعال، وغيرها.

– التحدي الثاني: استمرار التفاف المجتمع المسلم على الفكرة الإسلامية:
إن النجاح في هذا التحدي، مرهون بما يرونه الناس من قادة مشروع المقاومة، على اختلاف مستوياتهم القيادية، فإذا كانوا مع الناس في واد واحد، جمع الله لهم قلوب الناس جميعا، حتى وإن اختلفت الآراء أحيانا، فإنها مناقشة في الفروع، ويظل الجميع ملتزما بالأصل، وهو مشروع الجهاد.

وما أعنيه هنا، هو عدم التميز عن الناس في شيء، وهذه لها فعل عجيب في تثبيت المجتمع، ودفع المحنة، ولنا الأسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان لبطون الصحابة حجر واحد، كان حجران لبطنه الشريف، ولما حضر الطعام يوم الأحزاب، كان آخر من طعم، أما عند العطاء، فكان أول من شمر عن ساعديه، فحمل الحجارة لبناء المسجد النبوي، وضرب بالمعول لحفر الخندق.

ما أجلها وما أعظمها من خصال، يتأخر القادة عند المغنم، ويتقدمون عند المغرم، فيحوزون محبة الله في المقام الأول، وفي المقام الثاني يملكون قلوب الناس. أما من وسع الله عليه، فكانت مركبته على سبيل المثال، من حر ماله، فيعجبني أن يخفف من ذلك، مراعاة لمشاعر الآخرين، مثله تماما مراعاة الغني لشعور الفقير، والصحيح للسقيم، ومن رزق الولد لمن منعه.

وأستشهد هنا بما قاله القائد الدكتور الشهيد (بإذن الله) عبد العزيز الرنتيسي، "العزيمة للقائد والرخصة لعموم الناس"، ومع أنه ذكر هذه القاعدة الراقية، معلقا على عرض، قدمه له أحد قادة العدو، يقضي بالإفراج عنه، شريطة التوقيع على ورقة أعدت مسبقا، إلا أنني أرى أن العزيمة ليست فقط في العلاقة مع العدو، وإنما تعم جوانب الحياة كلها، في العبادة، والمعاملة، والأقوال، والأفعال، وغيرها.

وحاشا لله أن أضيق واسعا، بل إنه الذوق الرفيع، من أعظم ما جاء به ديننا الحنيف، ولم يسبقنا إلى ذلك دين ولا قوانين وضعية، مهما بلغت من المثالية والخيرية.
أقول مرة أخرى، لست فيما أقول معلما، بل مذكرا، مذكر يرجو الخير كله لدينه وشعبه، ويطمع أن يحفظ الله غزة وأهلها ومقاومتها، وكل الأرض المباركة.. فلسطين.



حول هذه القصة

فلسطين- الضفة الغربية- نابلس- ابريل2017- جيش الاحتلال امطر المتظاهرين بالغاز المدمع- المواجهات قرب مستوطنةشافي شمرون الجاثمة على اراضي قرية الناقورة والقرى المجاورة- تصوير عاطف دغلس- الجزيرة نت5.jpg

أصيب العشرات من الفلسطينيين بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع خلال مواجهات اندلعت بين متظاهرين وجنود الاحتلال بمناطق عدة من الضفة الغربية في فعاليات انطلقت تضامنا مع الأسرى المضربين عن الطعام.

Published On 28/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة