تلك الرائحة

blogs - آباء
في بيتنا حوض نعناع، ومزراب كََفّ عن البكاء منذ غياب الشتاء، وزجاج دُهن باللون الأزرق خوفاً من غارة جوية ذات حرب، وأسراب نمل كثيرة تنقل خزينها على مهل من كيس ما زال ينزفُ حَبّاً بعد أن ثقبه "مسمار" تاجر لم يعجبه كثيراً امتلاء القمح لهذا العام، النملُ لصّ شريف يسرق في وضح النهار يسرق ليعيش، يسرق ليطعم مملكته، لكنه لا يخونها أو يأكل خيراتها وإن مات جوعاً. 

كنت أمضي ساعات بين حوض النعناع وشجرة التوت، محاولاً أن أكوّن صداقات مع بعض النملات الدؤوبة التي لا تعرف الهزل أو الابتسامة، كنت أضع قدمي في طريقها لتتسلّق جلدي الطري وتدغدغ أطراف أصابعي ثم تنزل دون أن تؤذيني متّجهة إلى بيوتها الغائرة في التراب، كنت أحب هذه الكائنات الكادحة التي تنقل ما يسقط من ثرثرات الغربال من قشّ وزِوَان وقمح ضعيف إلى مخازنها المخفية تحت أقدامنا، لا شيء يدّلني إلى تلك البيوت التي تشبه بؤبؤ العين سوى التراب الناعم المندلق خارجها وبعض العاملات الطالعات للتو من عتمة المكان يعملن ويعملن لا يطالبن بزيادة الأجر أو تحديد ساعات العمل أبداً. 

لا أصدقاء لي في الطفولة، سوى النمل على الأرض والغيم في السماء، عندما أفقد السرب الأسود أو أضيع خارطة البيوت وثقوب الطين، أنظر إلى الفضاء طويلاً كانت تدهشني خراف الغيم البيضاء الصغيرة التي تقفز في بحر المدى وتلتحم مع بعضها بعضاً لتصبح شيخاً مسنّاً، هكذا أنا، كنت مجنوناً أبدد طفولتي في الخيال، أمضي وقتي بين جماد يرتفع مئات الأميال ولا يراني، وكائنات صامتة جادة مفرطة في الصغر لا تراني أيضاَ، لا أدري ربما كان تصرّفاً لا إراديا في إشغال وقتي حتى لا أشتاق إلى أبي المسافر، كي لا أحن إلى عينيه العسليتين المتدفقتين طيبة، ولا أبتسم توقاً كلما تذكّرت لحيته الشوكية وهو تدغدغ خدّي الصغير.

من فرط طفولتي نسيتُ أن أقول له إني أحبك، بصراحة لم يكن لديّ وقتها مفردات كافية لأقولها، أو ربما كنت خجولاً متردداً، ترددت كثيراً بالبوح بها، وعندما أتقنت لغة الكلام مات أبي.

من فرط طفولتي نسيتُ أن أحبَّ أبي، نسيت التعلّق به كما يفعل كل من هم في سنّي، من يكتبون رقم "3" بالمقلوب، ويفشلون في تعرجات الــ"4″، لم أكن أملك في ذلك العمر مفردات كافية لأقول له إني أحبّك، لكنّي فعلاً كنت أحبه، كنت أحب طيات جبهته عندما يقول لي "لا"، وأعشق ابتسامته التي كانت تطلع رغم شقائه كما تطلع الوردة من قلب الصخر، كنت أحبّه أكثر من خِراف الغيم وأكثر من صديقاتي النملات، كنت أحبّه أن يبقى قريباً منّي، أن ينام قريباً من فراشي على بعد خطوتين أو ثلاث، المهم أن أرى ظل ركبته على الحائط في الليل مثل جبل شاهق، لا أدري لماذا ترددت كثيراً أن أقول له: أحبّك، كما يفعل ابني الآن معي.

ما أجبنني! من فرط طفولتي نسيتُ أن أقول له إني أحبك، بصراحة لم يكن لديّ وقتها مفردات كافية لأقولها، أو ربما كنت خجولاً متردداً، ترددت كثيراً بالبوح بها، وعندما أتقنت لغة الكلام مات أبي.

كان يحزنني غيابه كثيراً وأنا عاجز عن التعبير، تماماً كما يعجز الرضيع أن يشير إلى وجعه، هو فقط يبكي، والبكاء تشخيص في كثير من الأحيان، لذا كنت ألهي نفسي بالزحف وراء سرب النمل الأسود أو بالركض وراء سرب الغيم الأبيض كالهرب من الليل والنهار، كي لا أبكي، وكي لا ينكشف التشخيص.

يُتم الطفولة، ظمأ دائم، بعده لا يمكن الارتواء أبدا، مثلاً قد أنسى أشياء كثيرة في حياتي إخفاقي نجاحي أعدائي أصدقائي، لكنني لا أستطيع أن أنسى رائحة المسافات في "جاكيت" أبي الرمادي، ولا رائحة الدخان المتغلغل في ملابسه الشتوية، لا أستطيع أن أنسى ملوحة عرقه التي التصقت بشفتيّ عندما قبّلت يده آخر مرّة عاد فيها، كان منهكاً، يلهث كثيراً، لكنه ابتسم لنا ونحن نحيط به، كان مثل الغيم لا يشكو التعب حتى لا يخدش الشوق وفرح اللقاء.

ليس جنوناً إن قلت إنني حتى اللحظة ما زلت أشتاقه وأتخيّل طرقة الباب من يده، وأشتاق إلى تلك الرائحة التي لا تستطيع أي أنفاس أن تنتجها أو تشبهها، لكنني في نفس الوقت أحزن كثيراً لأنني لم أقل له "أحبّك" بما فيه الكفاية!



حول هذه القصة

ضربة قوية للجيش العراقي في الأنبار

أفادت مصادر طبية وأخرى محلية بأن 7 مدنيين قتلوا وأصيب 13 آخرون بجروح في قصف جوي طال منازلهم في منطقة القائم الواقعة بمحافظة الأنبار أقصى غرب العراق.

Published On 28/4/2017
اجتماع خليجي ثلاثي في الرياض.. ثقل الملفات وعظم التحديات

اختتم في الرياض أمس الخميس اجتماع لوزراء الداخلية والخارجية والدفاع بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تركزت مناقشاتهم على قضايا الإرهاب والتدخلات الخارجية، وأكدوا تضامنهم مع التحالف الدولي في العراق وسوريا.

Published On 28/4/2017
facebook messenger (screenshot from google play edited by remah)

أعلنت شركة فيسبوك عن توفير النسخة المستقلة والمبسطة من تطبيق التراسل الفوري “ماسنجر” التي تسمى “ماسنجر لايت” في 150 بلدا آخر في أنحاء العالم.

Published On 28/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة