بعضهم قد يتستر وخاصة إذا كانت امرأة ،قد تكون ملثمة لا يبرز منها غير عينيها، وأما الرجال فجلهم يعمد إلى حيلة تقنع الناظرين إليه، مثل لي رجله أو يده وإدخالها تحت كمه بطريقة توحي أنه مبتور اليد أو الرجل أو غير ذلك، أما عن لباسهم فيختلف حسب الادعاء الذي يدعونه وهم يمارسون مهنتهم، فقد يكون رثا باليا إذا كان الأمر يتطلب ذلك، وقد يكون نظيفا نقيا في حالة ما إذا كانت المهمة تحتاج إليه من مثل أننا نجمع لإجراء عملية لامرأة أو طفل أو غير ذلك، وقد يكون لباسهم دون ذلك.
| بعضهم قد يتستر وخاصة إذا كانت امرأة ،قد تكون ملثمة لا يبرز منها غير عينيها، وأما الرجال فجلهم يعمد إلى حيلة تقنع الناظرين إليه، مثل لي رجله أو يده وإدخالها تحت كمه بطريقة توحي أنه مبتور اليد أو الرجل أو غير ذلك. |
بدون شك بدأت تتكون صورة عمن أتكلم عنهم الآن، فهم لا يخلوا شارع عربي من وجودهم، وكأنهم مشمولون بقدر أمتهم التي كتب عليها الذل طيلة هذه العقود، أنا لم أزر بلدا أجنبيا وبالتالي لا أستطيع ادعاء أنهم غير موجودين أو موجودون فعلا، لكني أطلع من حين لآخر على تقارير تشير إلى وجود بعضهم في أكبر دول أروبا أو أمريكا أو غيرها، ما أعرفه عنهم أنهم لم يكونوا موجودين من قديم، بل ظاهرتهم هذه طارئة على المجتمعات.
نعم أولئك أعني، المشردين، أو المتسولين، أو الشحاذين، لا يهم الاسم، لكن ما أريدك أن تعرفه أن هؤلاء مثلنا، فيهم الصادق المحتاج، وفيهم المحتال الماكر، لكن ما دفعني للكتابة عنهم هو تنامي هذه الظاهرة بصورة مستشرية، في تسعينيات القرن الماضي كان يكثر فيهم البوسنيين أثناء النكبة التي حلت بهم، وبعد ذلك كثر الأفارقة السود.
أما الآن وكما هو معلوم تقريبا في جميع البلدان العربية أغلبهم من إخواننا السوريين الذين أكلت الحرب بلادهم نسأل الله أن يرفع عنهم البلاء، أنا لا أدعي أن فيهم المحتال لكن أعلم يقينا أن هناك من يتقمص دورهم في هذه المهنة المذرة للدخل، خاصة أن السوريين ليس أغلبهم يمتهنون ذلك، بل معظمهم يشتغل حرا.
فعلا هذه المهنة لم تعد خاصة بذوي الاحتياجات، أو من نكب عليهم الزمن، بل أضحت اليوم مهنة يتقنها الكثير ويستطيع من خلالها تجميع الملايين، نعم ولا أبالغ إن قلت هناك من يمتهن هذه المهنة وهو يمتلك بنايات سكنية عملاقة، أو متاجر فاخرة، أو مقهى أو غير ذلك، وكل ذلك بفضل هذه المهنة التي انتشرت تستعطف قلوب المحبين للخير، لا شك أن الكثير من الناس فقدوا ثقتهم بهؤلاء، فأصبحوا لا يثقون بهم حتى وإن كانوا صادقين، خاصة عندما تروج حكايات افتضاحهم على الإعلام الرسمي، من قبل السلطات الأمنية التي تكشف الكثير منهم وهم متلبسون بهذه المهنة، لكن بعد التحقيق معهم تتوصل السلطات إلى حقائق مروعة، من قبل امتلاك أحدهم للملايين المجمعة عنده، أو غير ذلك.
| يحكي صاحب الكتاب أنه زار أكثر دول العالم، فلم تخطئ عينه عاصمة من عواصم الدول إلا ويوجد فيها متسولون، لكنه تفاجأ عندما زار مدينة غزة الفلسطينية، ورغم ما شهده أهلها من حروب وتنكيل بممتلكاتهم، إلا أنك لا تجد ولو متسولا واحدا وأنت تتجول وسط مدينتهم!. |
كثيرة هي الصور التي تلوح في ذهني، كان آخرها مشهد ذرفت له عيناي، طفلة لم تتجاوز ربيعها السابع تقف في باب المسجد، ويديها الصغيرتين مفتوحتين كليهما، وكأنها تسأل الله أن يرفع عنها هذا الذل والمهانة التي وضعتها أمها فيهما، كان الناس يتأثرون لحالها فيجودون عليها ببعض الدريهمات، كانت بمجرد أن تمتلئ يديها تذهب تجري إلى أمها وتضع تلك الدريهمات في يد أمها وهي تبتسم، ثم تعود إلى مكانها وهكذا تكرر هذا لأكثر من مرة، صورة أخرى لامرأة تقف بجانبها بنتها يبدوا من خلال قامتها أنها في السابعة أو الثانية عشر من عمرها، بصوت لا يخفى ما فيه من تصنع تدعي أنها يتيمة تتكلم بصوت مرتفع وتحاول أن تمزجه بنوع من النشيج الذي يهيج القلوب فتتساقط عليها الدراهيم مثل الأمطار، هذا المشهد من هذان المرأتان رأيته في أكثر من موضع من المدينة ويتكرر بنفس السيناريو.
القصص كثيرة، أحيانا تحزنك وأحيانا تصيبك بنوع من التشنج في معدتك، لكن كان هناك مشهد استغربت له، هو مشهد لامرأة في أحد أرقى الأحياء بالمدينة، ذاك الحي معلوم أنه لا يقطنه إلا أصحاب المشاريع الضخمة والشركات الجبارة، كان الوقت ظهرا يوم الجمعة، امرأة كانت تقود سيارة يبدوا أن قيمتها لا تقل عن السبع أو الثمان ملايين، أتت بجانب المسجد وأوقفت السيارة، ظننت أنها اتت لنيل رضى الرحمان بأداء الصلاة جماعة لكنها فاجأتني عندما خرجت من المسجد ووجدتها بين جموع المتسولين ، مادة يديها هي الأخرى!.
هي كما يعلم الجميع ظاهرة متفشية في المجتمع، وفي اعتقادي أنها مرض أكثر منها فقر واحتياج، إذ من خلالها يؤملون أصحابها أنهم سيحققون ما يطمحون إليه دون كلل أو ملل، فقط بالمواظبة على الوقوف أمام المساجد، ولعل أكثر ما يدل على أن هذا مرض هو ما قرأت في كتاب " أفهم القضية الفلسطينية" يحكي صاحب الكتاب أنه زار أكثر دول العالم، فلم تخطئ عينه عاصمة من عواصم الدول إلا ويوجد فيها متسولون، لكنه تفاجأ عندما زار مدينة غزة الفلسطينية، ورغم ما شهده أهلها من حروب وتنكيل بممتلكاتهم، إلا أنك لا تجد ولو متسولا واحدا وأنت تتجول وسط مدينتهم!.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

