معادلة المشاركة والممانعة عند الأحزاب الإصلاحية

blogs - Revolution
طرفي النقيض في المعادلة يكمن في أن هناك من يحاسب المشروع الإصلاحي بمنطق ثوري جذري من جهة، ومن جهة أخرى هناك من يحاول ان ينتزع من ذات المشروع صفة الممانعة والمقاومة كقيمتين جوهرتين عضويتين فيه، بمنطق تبريري انبطاحي انهزامي. 

التحدي الآن وحالا هو الحفاظ على معالم المشروع الإصلاحي دون انجرار ودون انتكاس والانحياز للمنهج والخط عبر تحكيم مقوماته ومبادئه ومرجعياته المؤسسة على: المشاركة الإيجابية، التدرج، الشورى الملزمة، فقه الحال واعتبار المآل، المقاومة، الممانعة، المدافعة، السليمة، الوسطية والاعتدال، الأصل هو الأمة، الرأي حر والقرار ملزم، التشاركية. 

الاستقطاب والثنائية، غالبًا ما يؤديان إلى نوع من الفرز يكون مقدمة للطائفية (طائفة علي وطائفة معاوية) ما ينذر باشتداد الفتنة ويقتل معنى الوسطية؛ لأنها أمر في كل الحياة، ولما كانت السياسة رأي ورأي فليس أحوط بالمرء إلا التحلي بالوسطية التي هي "حق بين باطلين.. واعتدال بين تطرفين.. وعدل بين ظلمين".

إن الذي يحبب للمريض الدواء المر الكريه هو أمله في العافية، فكيف لا يكون في صدر الإصلاحي أمل بصلاح الأحوال ولو بعد حين فلا يليق به القنوط فكما قيل "الهلاك في اثنين قنوط وعجل".

العقل والمنطق والإيمان والحكمة.. كلها تقول: الوسطيَّة والاعتدال.. هي الأصلح. الاستغراق في جراح اللحظة تقتل المستقبل حيث لابد لتلك الجراح من وقت لتندمل!! أن تتبنى خطا إصلاحيا يعني أن يكون نفسك طويلا .. يعني أن تعرف حجمك الحقيقي في الساحة وعلى أساسه تناور .. أن تبقى منسجما مع مبادئك وخطك النضالي وأفقك الديمقراطي .. أن تمارس السياسة بواقعية، أن تراكم النقاط في معركة لا تنتهي بالضربة القاضية .. كل مقاومة لك إشارة إيجابية لك أنك تتقدم في الطريق الصحيح "..pas de véritable réforme sans résistances."

أن تكون إصلاحيا يعني أنك تمارس السياسة بمنطق الواجب وبمنطق فعل الذي ينبغي فعله في الوقت الذي ينبغي القيام به دون حسابات ضيقة، بما يحفظ المصالح الكبرى ويدرأ المفاسد، يقول بيجوفيتش في الإسلام بين الشرق والغرب "الواجب هو المصطلح الأساسي في علم الأخلاق، والمصلحة هي المصطلح الأساسي في علم السياسة. الواجب والمصلحة وإن كان متعارضين، فإنهما قوتان محركتان للنشاط الإنساني ولا يمكن الخلط بينهما.

فالواجب يتجاوز دائما المصلحة، لا يمكن للإنسان أن يكون محايدا بالنسبة للأخلاق، فهو إما أن يكون صادقا في أخلاقه او كاذبا..". بهذا المنطق لا يمكن للإصلاحي الحقيقي أن ينخرط في معارك غير أخلاقية أو أن يمارس التدليس والتغليط ( البريكولاج)، أو ان يعد بما يفوق قدراته وحجمه الحقيقي، حيث أن أول مهامه أن يعرف ماهيته أولا وعلى أساسها وفي نطاقها يراكم المكتسبات.

هذا الكلام ليس تبريرا وليس تعجيزا وليس هروبا إلى الأمام ولا انبطاحا، بل كلام إنسان تكويه أحلام الثورة وتصفعه أوجاعها ولكنه يريدها ثورة حقيقية مستديمة موافقة للسنن الكونية في التغيير في مقدمتها التدرج والكياسة ..ولا يريدها نزوة عابرة من نفوس يائسة مضطهدة أعياها طول المسير، لا تصبر على الثمار حتى تنضج فتفسدها، كشف التاريخ أنها استبدلت طغيانا بأشد منه واستبدادا بأوجع منه..

فالواجب يتجاوز دائما المصلحة، لا يمكن للإنسان أن يكون محايدا بالنسبة للأخلاق، فهو إما أن يكون صادقا في أخلاقه او كاذبا..".

هو كلام المتشبع بفكرة الإصلاح حتى النخاع، المؤمن بجدواها مهما استطال زمن هذا الواقع البائس.. وهو كلام إنسان في أعماقه كما قال درويش "أمل يأتي ويذهب يأبى أن يودعه" مدرك أن الذي به يستمرئ الفلاح الذي يعمل في الأرض ويستطيب الكدح هو أمله في الحصاد المدخور،وأن الذي يغري التاجر بالأسفار الطويل هو أمله في الربح الموفور.

وأن الذي يحبب للمريض الدواء المر الكريه هو أمله في العافية، فكيف لا يكون في صدر الإصلاحي أمل بصلاح الأحوال ولو بعد حين فلا يليق به القنوط فكما قيل "الهلاك في اثنين قنوط وعجل " يأسا وقنوطا وهما ومؤشران على انطفاء هذه الجدوة وهذا الشعاع في الصدر وانقطاع خيط الرجاء بما يوهي في النفس دواعي العمل هذا ما يجعلنا نقر بأن أكبر التحديات الآن عند أصحاب المشروع الإصلاحي هو تجذير عقيدة الأمل والنفس الطويل في الإصلاح والمراكمة والتركيز على "سؤال العمل".