مخادعون

مدونات، الخداع

على الرغم من أن جميع الديانات لا تقبل الكذب والخداع الا أن الانسان بصفة عامة لا يتوان عن استعمالهما بصورة أو بأخرى على مدار اليوم من أجل الوصول الى غاياته. لا نستطيع عادة التعرف على الكذب المدسوس بين المجاملات بقدر ما لا نستطيع تفسير الألعاب السحرية التي يقدمها الحواة في عروضهم المبهرة، وذلك لسبب بسيط هو أن الإنسان كائن مخادع وسهل الخداع في الآن ذاته.

أمام الإغراءات اللحظية يصاب الناس بالعمى بحيث يصبح من السهل على المخادع أن يجد من يستسلم لخداعة، فمثلا عندما يعدك رئيسك في العمل بترقية أو بعلاوة في القريب العاجل، فإنك بطبيعة الحال ستصدقه لأن قوله يلبي آمالك وطموحاتك ويمكنه بعدها أن يعرض عليك القيام بأعمال خارجة عن صلاحياتك وبدون مقابل متأكدا من أنك لن ترفضها مخافة فقدانك لترقية لم تحصل عليها بعد، وقد لا تحصل عليها أبدا.

استطاعت شركات عالمية كبرى تحقيق أرقام معاملات كبرى عن طريق الخداع بدءا من شركات أدوية تخفي الآثار الجانبية لأدويتها والتي في بعض الأحيان تشكل خطرا مميتا على المرضى

مثال آخر من الخداع منتشر بشكل كبير في مجتمعاتنا وهو الوعد بالزواج في سبيل إقامة علاقة جنسية عابرة. تردخ الفتاة لنزاوة خليلها ظانه أنها بذلك تحافظ على فرصتها في الزواج به مستقبلا غير أن النتيجة قد تكون غير ذلك.

الدجالون والنصابون أناس عاديون، اكتشفوا قابلية الانخداع لدى غالبية البشر وطوروا قدرات ومهارات الاقناع،عن طريق استغلال حسن النية من أجل الحصول على المال أو أهداف أخرى. لكن السلوكيات المخادعة لا تنحصر في الأفراد فقط فشركات عديدة تنتهج التلاعب والخداع، والاعلانات التجارية بدون شك هي من ابرز وسائلها، فهدفها الاساسي هو التأثير وإحداث إحساس بالحاجة الى المنتوج والتلاعب بحواس المستهلكين.

استطاعت شركات عالمية كبرى تحقيق أرقام معاملات كبرى عن طريق الخداع بدءا من شركات أدوية تخفي الآثار الجانبية لأدويتها والتي في بعض الأحيان تشكل خطرا مميتا على المرضى، كما وقع في فضيحة دواء ديان ٣٥ لمختبرات بايير، ومدياتور لمختبرات سرفيي، مرورا بشركات الصناعات الغذائية والتي لا تكشف عن المضافات الكيميائية التي تضعها داخل منتجاتها، وشركات صناعة السيارات التي تضع أنظمة مراقبة تلوث مغشوشة، وبنوك وشركات استثمار تلجأ الى ابرام عقود ببنود مشبوهة تهدف في الاخير إلى الايقاع بالزبائن واستغلالهم قدر الامكان.

الحكام والحكومات أيضا يشغلون مواقع مهمة في قائمة المخادعين فمن منا من لا يتذكر كولين باول بمجلس الأمن وهو يلوح بكبسولته الشهيرة محرضا على الهجوم على العراق بناء على أدلة استخباراتية قدمتها الادارة الأمريكية، تؤكد وجود برنامج نشط لإنتاج أسلحة دمار شامل بالعراق، أو الرئيس السوري، الذي وفي مشهد كوميدي نفى استعمال جيشه للبراميل المتفجرة وعزى وجود صور لأطفال مصابين جراء القصف إلى فبركات إعلامية، هذا بالإضافة إلى لائحة طويلة من الحكام الذين يقيمون علاقات غير شرعية أو يخفون الأموال في الجنات الضريبية.

يقول روجير فيشر في كتابه، الحصول على نعم، لا يمكن الوثوق بكلام الناس إلا في حالة امتلاك سبب مقنع لذلك. وهذا لا يعني بطبيعة الحال معاملتهم على أنهم كلهم كاذبون، لكن من الأفضل عدم إدخال الثقة وتغليبها في المعاملات على حساب الاحتياط لأنك بذلك ستصبح هدفا سهلا ولقمة سائغة لمخادع متربص.