مجزرة الرواتب ماذا بعد؟

blogs - money

شكلت الخطوة التي سلكتها حكومة رامي الحمد الله بتوجيهات من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والتي تقضي بتقليص رواتب عشرات الآلاف من موظفي السلطة الفلسطينية الذين تعود أصولهم إلى قطاع غزة، صفعة لم يتخيلوا أن يتلقوها ذات يومٍ على مدار حياتهم المهنية، كونهم ملتزمون بما يُطلق عليه قرارات "الشرعية" في إشارةٍ لتلك القرارات الصادرة عن "عباس"، والتي تعني أساساً تلقيهم لرواتبهم بينما يجلسون في بيوتهم على مدار عقدٍ كاملٍ من الزمن، كعنصر من عناصر إفشال تجربة حركة "حماس" في الحكم، فقد جاءت خطوة الرئاسة تلك بعدما سيطرت الحركة على قطاع غزة عسكرياً في العام 2007م عقب عام واحد فقط على فوزها في انتخابات البرلمان الفلسطيني بأغلبية.
 

مسألة التقليص التي انتهجتها السلطة هذه المرة كانت شديدة، بل هي الأوسع، والمغزى منها اتضحت تفاصيله بالكامل، وجاءت لتكشف ما تبقى من معالم مخطط التصفية الذي تنتهجه عدة أطراف فلسطينية وغيرها بهدف تجزئة الأرض الفلسطينية وتفتيتها ليسهل السيطرة عليها وتنفيذ الإرادة الدولية الساعية لتصفية القضية الفلسطينية في نهاية المطاف. وللأسف حين قامت تلك السلطة بالعديد من مخططات التجزئة وهتف الكثير من المثقفين بأنها تستهدف غزة بكل أطيافها رد الكثير من هؤلاء الموظفين على من حذرهم واتهموه بأنه مجرد "متربص بقرارات الشرعية"، فانتقلت للخطوة التالية والتي بعدها حتى وصلت إليهم، حينها ارتفع صوتهم غضباً، فقد أصابت القرارات لقمة عيش أطفالهم "ومن حقهم ذلك"، لكن ولمعرفة الخطوة التالية للسلطة الفلسطينية.

يمكن قراءة ما قامت به من قرارات تمهيداً لهذه الخطوة وما يليها بتقليب صفحات التاريخ والرجوع إلى الوراء قليلاً، وهذا يجري من خلال استخدام استراتيجية تفتيت الخصوم وهزيمتهم منفردين:
1- من خلال البنوك المنتشرة داخل الأراضي الفلسطينية، أوعزت السلطة الفلسطينية لتلك البنوك بتقديم تسهيلات بنكية على أوسع نطاق وبخاصة لأهالي قطاع غزة، لجعلهم أسرى لتلك البنوك من خلال القروض التي يتلقونها منها، حتى وصلت نسبة من تم استغلالهم من تلك القروض لأكثر من 85 في المائة من موظفي السلطة، وما شجع على ذلك استنكاف الآلاف منهم في بيوتهم بعد سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، وطموحهم لافتتاح مشاريع استثمارية إلى جانب وظائفهم، فاقترضوا من البنوك لشراء سيارات وعقارات وافتتاح محلات تجارية حتى أصبحوا أسرى لتلك البنوك.
 

دون سابق إنذار أقدمت الحكومة بتوجيهات الرئاسة بتقليص أموال موظفي قطاع غزة ثلاثين في المائة من قيمة الراتب، وقد ظهر غياب الدقة في تصريح الحكومة، فقد أصاب القرار فقط موظفي قطاع غزة، أما موظفي الضفة الغربية فلم يتأثروا من القرار.

2- انتقلت قيادة السلطة "بحنكتها السياسية" إلى الخطوة الثانية، حيث تمثلت في وقف رواتب الموظفين الذين "رفضوا قرارات الشرعية" واستمروا بالعمل مع حركة "حماس"، لكن حينها وقفت غالبية الفصائل الفلسطينية وآلاف الموظفين موقفاً صامتاً تجاه هذا الإجراء المنافي للقانون برمته.
 

3- ولما أن تم تمرير القرار السابق، انتقلت السلطة للمرحلة الثالثة من الخطة، فوصلت للموظفين التابعين للقيادي المفصول من حركة فتح النائب محمد دحلان، فأوقفت رواتب الآلاف منهم، وأيضاً تم تمرير القرار كأمر اعتيادي جداً، ولم يتوحد أهالي قطاع غزة خلف لافتة أن الاستهداف لهم جميعاً وليس لطرف على حساب الآخر.
 

4- بالتوازي مع المرحلتين سابقتي الذكر، تم تمرير المرحلة الرابعة، حيث تم إصدار قرار للبنوك الفلسطينية العاملة بالتشديد على موضوع التحويلات المالية لقطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بمستحقات الأيتام والجمعيات الخيرية وأهالي الشهداء وغيرها، وقد تم تمرير الأمر في نهاية المطاف أيضاً، مع غياب المسئولية من قبل المؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان في العالم الذي يدعي باستمرار التحضر والإنسانية.
 

5- في المرحلة الخامسة التي نحن بصددها، ودون سابق إنذار أقدمت الحكومة بتوجيهات الرئاسة بتقليص أموال موظفي قطاع غزة ثلاثين في المائة من قيمة الراتب، بحجة "أزمة مالية تعاني منها الحكومة"، وقد ظهر غياب الدقة في تصريح الحكومة، فقد أصاب القرار فقط موظفي قطاع غزة ومنهم "من يسكن في الضفة الغربية وهو على رأس عمله هناك"، أما موظفي الضفة الغربية فلم يتأثروا من القرار، الأمر الذي يظهر أن ثمة أهداف خفية من خلف هذا الإجراء. وقد أدى هذا القرار بمرحلته الحالية إلى حرمان الكثيرين من رواتبهم أو تلقي رواتب ضئيلة خاصةً في ظل كون غالبية الموظفين أسرى قروض تلقوها من بنوك السلطة الفلسطينية.
 

وجهة نظري أن السلطة الفلسطينية لن تكتفي بهذه الخطوة فالمخطط واضح ولن يتوقف عند هذه المرحلة، وستكون هناك خطوات تالية تدريجياً تتمثل في تصفية كل رواتب موظفي قطاع غزة، وهي خطوة خنق اقتصادية تمارسها العديد من الأطراف لأهداف استراتيجية تنتهي بجعل قطاع غزة غير صالح لإقامة أي إنسان عليه والبحث لأهله عن وطن آخر قد يكون على أرض أحد دول الجوار، أما الضفة الغربية فسيتم التفرغ لها كذلك بعد تصفية ملف غزة، وقد تم تخصيص سلطة بلد مجاورة كذلك لتكون تحت إشرافها وسيادتها.
 

هذه الخطواتٌ الهدف منها إراحة "إسرائيل" من صداع الرأس الذي يشكله الفلسطينيون لها مع استمرار مطالبتهم بديارهم وأراضيهم التي سلبها الكيان الصهيوني منهم قبل عقود من الزمن وطردهم منها، وتلك الخطوات لن يتم إفشالها ما دام الفلسطيني يقبل باستفراد طرف بأخيه الفلسطيني واعتبار أن ذلك يجري على خلفيه لون رايته الحزبية، فالمخطط لا يفرق بين الألوان، إنما يمزقها الواحد تلو الآخر، فاستيقظوا قبل فوات الأوان.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان