"مجتمعاتنا بين الانفعال والفعالية"

blogs - people

يتسم الإنسان ككائنٍ حيٍ بالكثير من الصفات المشتركة التي تجمع بينه وبين كل الكائنات الحية، وتلك الصفات في مجملها لا تخلو من الفعل والحركة والتوالد والتكاثر، ومن أهم تلك الصفات التي يتسم بها الإنسان صفة الفاعلية، وهي صفة توجد في بعض البشر وتنعدم في البعض، وهذا يعني إمكانية اكتسابها بالجدِّ والعمل والمثابرة والمحاكاة، وأظن أنّ هذه الصفة هي حجرُ الأساس في كلِّ إنجازاتِ الشعوب المتطورة، التي أسست للحضارات التاريخية العظيمة، وما زالت تحث خطاها نحو المزيد من الفعلِ المتقدِّم الخلاّق.

قد تتداخل مفردة الفاعلية مع مفردة أخرى مشابهة لها، وهي الفعالية، ولو أردنا الوقوف على معنى الفاعلية، فيمكن تعريفها بأنها: مقدرة الشيء على التأثير "فاعلية وسيلة، دواء، حل"، ومنه فاعليّة المخّ: النَّشاط الفسيولوجيّ للمخ ومنه العمليّات العقليّة كالتفكير، وقد تأتي بمعنى القدرة والتأثير، وهذا التعريف يوحي بقيمة الفاعلية وقدرتها على الخلق والإنجاز والتأثير، وهذا ما يميز الإنسان ككائن حي قادر على الحفاظ على سيرورته واستمراره، وتطويرها بالطريقة الأفضل دائماً.

تبدو أكثر مشكلات المجتمع كنتيجة حتمية ومنطقية لانعدام أو قلة الفاعلية والحيوية الزوجية، القادرة على استيعاب المواقف والخروج منها بأقل الأضرار والخسارات.

أما مفردة الفعالية التي قد تشتبه بمفردة الفاعلية، هي اسم للفعل الحَسَن والكرم "هو حسن الفَعَال"، وتأتي بمعنى "التأثير، والقدرة على إحداث أثر قوي"، ويمكن تعريفها بأنها، حزمٌ وإرادةٌ وحيويةٌ ونشاط، وقد تُطلق على الفعاليات السياسية أو الحزبية أو النقابية أو نحوها. والوقوف على هذا المدخل من الأهمية بمكان، إذ به يمكن الغوص في حقيقة الكلمة ومراداتها، والحكم علينا من خلالها، مساءلة المجالات الحيوية التي تحيط بنا، ومساءلة ذواتِنا عن قيمة هذه المجالات الحيوية ومدى انتباهنا لها، أو العمل عليها بشكل خلاّق.

تبدو أهمية الفاعلية كسلوك في كل نواحي الحياة، الاجتماعية والثقافية والعلمية والعملية والمعرفية بشتى أنواعها، ولو وقفنا على الناحية الاجتماعية سنجد أنّ الكثير من المصابين بالرهاب الاجتماعي هم من أقل الأشخاص تماساً بأفراد المجتمع واقتراباً من أفراده، وكلما نأى الإنسانُ بنفسه عن التفاعل الخلاّق مع مجتمعه كلما كان عرضةً للأمراض العضوية والنفسية التي تتزامن مع الابتعاد التام عن التفاعل الحيوي مع البيئة المحيطة، وقد حملت لنا القصص والأخبار الكثير من الحوادث التي تدل على قيمة الحضور الخلاّق في المجتمع ومدى قدرته على التغيير.
 

لنتأمل على سبيل المثال القوة الحيوية الهادرة والجبارة التي يحملها الأنبياءُ والمصلحون الاجتماعيون، والتي تخولهم للوقوف أمام مجتمعاتٍ بأكملها للجهر بما يؤمنون به وما يطمحون إليه، ولولا وجود هذه الجذوة المتقدة في دواخلهم لخدمة المجتمع بكل توسعاته، لما استطاعوا أن يتحملوا كل هذه المعاناة في سبيل الإصلاح ومحاربة الفساد، ولذلك قال النبي محمد ﷺ: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ"، ذلك لأنّ الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أبعد عن ممارسة السلبية ممن يعتزل الناس ولا يصبر على أذاهم، والشواهدُ على هذا من حياتنا المعاشة كثيرةٌ جداً.

تبدو الفاعلية في الحياة الاجتماعية الزوجية، واضحة الأثر والتأثير، خاصة وأنّ التفاعل الزوجي الخلاّق هو النواة الأولى لتأسيس الأسرة المستقرة، القادرة على إنجاب أبناء قادرين على نفع أنفسهم والمجتمع من حولهم، وتبدو أكثر مشكلات المجتمع كنتيجة حتمية ومنطقية لانعدام أو قلة الفاعلية والحيوية الزوجية، القادرة على استيعاب المواقف والخروج منها بأقل الأضرار والخسارات.

ساعات العمل الحقيقية للعامل أو الموظف العربي خلال الدوام اليومي لا تزيد على 18 دقيقة، إذا طرح من ساعات الدوام الرسمي الوقت الضائع.

من الناحية الثقافية إذا نظرنا إلى الثقافة من مفهومها الشامل، الذي يحمل في طياته كل مكتسبات الشخص المعرفية والأيديولوجية وأسلوب الحياة الذي ارتضاه، سنجد أنّ الثقافة هي من أهم المحاضن الحيوية الفاعلة، والتي تستلزم من الإنسان تفاعلاً خلاّقاً نشيطاً معها، لفهمها بشكل أوسع وسبر أغوارها، ومحاولة تطويرها والنهوض بها، وفتح آفاق أكثر اتساعاً إزاء الثقافات الأخرى ومحاولة التعايش معها، وإفساح مجالٍ لها في فضاء الثقافات الشاسع، ويبدو الابتعاد عن أفق الفاعلية الثقافية بشكل خاص سبباً حقيقياً للكثير من مشكلات المجتمعات بشكل عام، ومحرضاً كبيراً على الانزواء والابتعاد عن الآخر، هذا الابتعاد والانزواء الذي قد يتطور مستقبلاً إلى حالة استعداء، ورفض لوجود الآخر المختلف ثقافياً.

تأتي الفاعلية العملية كأساس مهم لدفع عجلة تطور الأمم، إذ من دونها سيتوقف دولاب الحضارة والعمل عن الدوران، وتقتضي الفاعلية العملية توسيع الرؤية بالانتقال من مرحلةٍ إلى أخرى، كي نبدأ من حيث انتهى الآخرون لا من حيث ابتدأوا، وبالنظر إلى الأمم المنتجة مادياً من حولنا يتضح الفرق بين الفاعل العامل والخامل، ومن المؤسف حقاً أننا لا يمكن تصنيفنا إلاّ في خانة المجتمعات الخاملة عملياً، وتؤكد بعض التقارير المحلية والدولية هذه الحقيقة التي لا تحتاج في المجمل إلى أدلةٍ وبراهين، وقد أثَّر انعدام الفاعلية العملية في نتائج ومخرجات الأعمال الإدارية والتعليمية والتطويرية، مع قلة الوعي بقيمة إجادة العمل وتطويره والمساعدة على خلق بيئات قادرة على غرس قيم الإخلاص والإتقان والجودة في كل منتج، ويبدو أننا بحاجة إلى تضافر الكثير من الجهود، والفاعليات المختلفة، لنصل إلى مرحلة الفاعلية العملية المنتجة.

"كشف الاتحاد العربي للتنمية البشرية في تقرير له أن معدل إنتاجية العامل العربي هو من أقل المعدلات في العالم، بسبب التخلف الاقتصادي. وأشار الاتحاد إلى أن ساعات العمل الحقيقية للعامل أو الموظف العربي خلال الدوام اليومي لا تزيد على 18 دقيقة، إذا طرح من ساعات الدوام الرسمي الوقت الضائع. وعلى سبيل المثال لا الحصر أشار الاتحاد إلى أن متوسط إنتاج العامل المصري 30 دقيقة في اليوم، والجزائري 22 دقيقة، والسوداني 20 دقيقة".

إنّ الفاعلية هي شرط حياة واستمرار وتطور، ولا وجود ولا مستقبل حقيقي لأيِّ مجتمع أو أمة بدون تنشيط هذا السلوك والرفع من قدره وقيمته، ولتكن الفعالية حاضرة في كل ما يمس وجودنا، علاقتِنا بالله، وبالناس بشكل عام، حياتنا الاجتماعية، والزوجية، وصداقاتنا، ومعارفنا ومهاراتنا المتنوعة، ثقافاتنا وأساليب الحياة التي نرتضيها، نظرتنا للمستقبل من خلال إتقاننا للأعمال المسندة إلينا، توسيعِ أفق نظرتنا للوجود والحياة، وجعل التطور والانتقال من الحسن إلى الأحسن سمةً بارزةً ومحببةً لنا. إننا نحتاج إلى كل هذا النشاط والعمل الخلاّق، والتفاعل الإيجابي كي نصبح فاعلين حقيقيين، قادرين على الحياة والاستمرار بشكل متطور وإيجابي.