حارِبْ بالحُبّ هذه المرّة

blogs الأمل

ينظرونَ إليك بقسوةٍ، ويعلموك بأنك تغيّرت.. ينتظرونَ تبريراً ما.. لا شعورياً تهم بصياغةِ المبررِ كمذنب.. توقف للحظة.. هل فعلاً تغيرت وبإرادتك هذه المرة.. إذاً إيّاك والتبرير.. حاذر من الدخولِ في لعبتهم.. أوقفْ المهزلة.. وأنظر بابتسامةٍ هازئةً بهم وأجب.. هل تغيرتُ حقاً! حينها تستطيع أن تكون أنت نفسك الإجابة على أكبر الأسئلة الكونيّة التي تلاحقنا كل يوم. نعم أنا تغيرت، فالبقاءُ ثابتةٌ على مدارٍ كلّ ما فيه متحرك هو ضربٌ من الجنون، وحدهم الثابتون من يلعنون المدار.. 

ستّ سنوات.. ستُّ سَنَواتٍ… هؤلاءِ الثابتونَ لا يزالون على تطرّفهم وعنجهيتهم وعباراتهم النابية…على كرههم، وغيظهم، على غبائهم وأنانيتهم…أما شبعتم من ثباتكم على هذا المدار، حتى هو فقد أشمئزَّ من ثقلكم.. مئاتُ الأحداثِ المتشابهة تتردد كلَّ يوم.. هدنة، مفاوضات، تسوية، تجاوزات، إجرام، اعتقال، غازات، كيميائي، غرق، حوادثُ تزلزل كل ذرةٍ من إنسانية.. هذا إن تبقى حقاً منها ذرة. وفِي كل مرة، نفسُ ذاكَ الحقدِ ينطق، نفسُ اللسانِ بذاتِ العقلِ الحجري يرد، وهكذا دواليك سبابٌ يتبعه سباب، تقيؤٌ تلوَ الآخر، كلعبةٍ قذرةٍ لا مخرجَ منها ربما سوى بأن يرموا بأنفسهم للجحيم، عَلّ النار تأكلهم وتنتهي الحرب، تماماً كما فعل الله بقوم نوح.
 

ما هو الوطنُ دون أهله.. أي وطنٍ هذا دون محبيه المكمّمين والمقيدين والمبعدين.. من يظنُّ أن الأرضَ هي التي تصنعُ الوطن هو واهم، من يصنعُ وطن هو من لحمٍ ودم، بل أهمُّ من ذَلِكَ هو من روحٍ وتغيّر

التطرّف، هو الثبات القاتل على مبدأ بالٍ متهالك، أما أولئك الثابتون فهم دمىً لا تخدم سوى مصالح القادة المتمسكين بكراسي الآلهة الأصنام، أو ربما عبيدٌ لملثمي اللون الأسود الملقبين بالآباء والمدن. ست سنوات، كل شيء فيها تغير.. البشر، الحجر، القيم، الأقنعة، الأوطان، الأحلام.. حتى الأطراف المتحاربة.. كل شيء. ست سنوات، مرضت فيها مدنٌ عظيمةٌ وهرمت، ماتَ من ماتْ، ومنها من شارفَ على الفناء، هجرها أهلها، واستبدِلوا بغيرِهمْ، وشحب من تبقى على فراق حبيبٍ ضاع شهيداً أو معتقلاً أو منفياً أو مُهجَّر..  ست سنوات، حولت بَعضُنَا إلى وحوش، وبَعضُنَا الآخر إلى ضحايا، وبَعضُنَا الآخر إلى محطِّ سخرية الآخرين وفي أحسن الأحوال إلى محطِّ شفقتهم..

لم يعد هناك من حربٍ دمرت فيما سبق ما دمرت إلا وشُبّهَتْ بحربِ الست سنوات، ولا ندري إن كان العدُّ سيستمرُ إلى ما بَعْدِ الست.. ولسانُ الحالِ لا يكذب ولا يبشر. التغييرُ هو الحلّ.. لمَ تلمني إن تغيرت أنا.. نعم تغيرت.. لم أعد آبه بمنطقكم الأحمق.. كلكم حمقى طالما لم تتغيرون… ثمَّ لم يعد لحبِّ الوطن مقاييس الزمنِ السابق.. وما هو الوطنُ دون أهله.. أي وطنٍ هذا دون محبيه المكمّمين والمقيدين والمبعدين.. من يظنُّ أن الأرضَ هي التي تصنعُ الوطن هو واهم، من يصنعُ وطن هو من لحمٍ ودم، بل أهمُّ من ذَلِكَ هو من روحٍ وتغيّر.. تغيَّرْ يا صديقي.. تغيَّرْ يا من كُنتَ زميلي في الوطن.. تغير فالأرض صُمّمَت دائرية لا لعبث، دائريةٌ كما هي رؤوسنا أيضا لذا يحقُّ للأفكار أن ترتدَّ وتغير من اتجاهاتها..
 

فكر ملياً. الأرضُ لم تعد لأصحابها.. ولكننا قادرينَ على صنعِ الوطن على أي أرض. تغيّر لتضعَ ما تبقى من نُبْلِكَ كإنسان داخل وعاءٍ آخر، فالوعاءُ القديمُ لوثته قذارتهم وهم يتفاوضون على مصالحهم باسم الوطن القابعِ في المعتقلات ومخيمات اللجوء.. تغير ما كنت تقاتل من أجله لم يعد موجوداً، لأنه تغير هو أيضاً.. اخلق هدفاً نبيلاً آخر فهدفك النبيل تحوّل لآخر وتخلى عنك.. كن ذكياً. بارعاً في حل ألغاز هذه الحياة.. العب معها كما تلعب معك.. تغيّر وغيّر مسارك.. هناك حربٌ أخرى تنتظرك.. حرب مع نفسك لتقتنع أن ثورتك صارت أخرى ونضالك الآن من نوعٍ آخر.. حارب بالحب هذه المرة.. الحب لا غيره.. تعلم من حروب من سبقوك.. أبحث عمّن تغيّر معك واصنع ثورتك من جديد.. مؤلمٌ التخلّي عن كل من ضاعوا.. لكن تيّار الحياة هادر ولا ينتظرُ أحد.

أما أنا فصرتُ أرى الأفق من زاويتي الجديدة، اخترتها بمليء إرادتي ولم يفرضها أحدٌ عليّ أبداً هذه المرة، أنا لستُ رماديَّة ولكنّي لستُ منكم ولا من تطرفكم ولا من خلافاتكم.. وسأغيّرُ الوعاءَ في كل مرة تستدعي التغيير. وعندما نتغير سنغيّر ما أفسدته همجيتنا.. وعندما تعود الرقعة كافيةٌ لنا جميعاً سنلتقي، حينها سنصدق محمود درويش حين قال: قليلٌ من الأرض يكفي لكي نلتقي ويحلَّ السَّلام.