شعار قسم مدونات

المواطنون في العالم الثالث.. متساوون دستورياً.. رعايا وأتباع واقعياً

blogs- المواطتة

الحقيقة أن القيمة ليست في المصطلحات والمسميات بذاتها وإنما في المضامين التي تحملها، ثم في تجلِّيها في الواقع العملي في الحياة، فقد يكون المصطلح أو المسمى ذو اسمٍ برّاق ولكنه بلا مضمون قيِّم أو صعب التحقق في الواقع، وهذا ينطبق تماماً على الدساتير العربية على وجه الخصوص، فنصوصها صارمة وقطعية أن المواطنين سواسية أمام القانون، ولكن الواقع العملي يقول غير ذلك.

فالمواطن العربي الذي تزخر دساتير بلاده بالنصِّ على المساواة بين المواطنين، يعيش في مجتمع مُقسَّمٍ إلى درجات، فهناك مواطن درجة أول، وهناك مواطن درجة ثانية وثالثة، وهناك مواطن درجة رابعة وخامسة، وربما هناك من هو دون هذه الدرجات، في صورة صارخة ومتناقضة تماماً مع ما هو منصوص عليه في هذه الدساتير.

والعجيب في مثل هكذا (عوالم) أنك تجدُ حيواناتٍ تعيش برفقة مواطنين من دول العالم الأول أو الثاني لها من العناية والاهتمام في المأكل والمأوى والتأمين الصحي مالا يجده المواطنون في دول العالم الثالث وما دونه.

ولعل الدساتير العربية كمثيلاتها من المواثيق والعهود الدولية جُلُّ اهتمامها مُركَّزٌ على مجرد النصوص الدستورية والقانونية الداعية إلى المساواة، والتي ما رأتِ النور في واقع الحياة العملي، فكما أن المواطنين في الوطن العربي مُقسَّمُون إلى درجات نجد بالمقابل أن العالم نفسه مقسم إلى (عوالم)، فهناك مواطنون يعيشون في دول العالم الأول و الثاني، كما أن هناك مواطنون يعيشون في دول العالم الثالث، وبالتأكيد هناك مواطنون يعيشون في دول العالم الرابع والخامس وربما مادونها.

والعجيب في مثل هكذا (عوالم) أنك تجدُ حيواناتٍ تعيش برفقة مواطنين من دول العالم الأول أو الثاني لها من العناية والاهتمام في المأكل والمأوى والتأمين الصحي مالا يجده المواطنون في دول العالم الثالث وما دونه.

ومن المضحك والمبكي في آنٍ واحد أن نجد دول العالم الأول وكذا مواطني الدرجة الأولى في بعض دول العالم الثالث يشدِّدون على أهمية الرفق بالحيوان، وتكوين الجمعيات والهيئات والمنظمات التي تُعنى بشؤون الحيوانات وتدافع عن حقوقها، وتُجرِّم صيد بعضها خشية انقراضها، بينما يعيش عشرات إن لم يكن مئات الملايين من البشر (تحت مسمى مواطنين) في ظروف لا تسمح لهم بالعيش الكريم.

بل ربما البقاء على قيد الحياة، ويتمنى أحدهم أن يصبح مواطناً بدرجة (حيوان) ليحصل على الحقوق التي نالها الحيوان في دول العالم الأول وغابت عن المواطن في(العالم الثالث)، أَمَا كان من الأولَى أن يتمَّ الاهتمام بجمعيات الرفق بالإنسان (المواطن) قبل أو على الأقل (مع) الاهتمام بجمعيات (الرفق بالحيوان)، وهي دعوة للمساواة مع الحيوان بعد أن غابت حقيقة أن (المواطنين متساوون) في عالم الإنسان.

إلى متى ستظل الدساتير العربية والمواثيق والعهود الدولية تُوزِّعُ الوهم على الناس بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، والجميع يدرك أنه لا وجود في الواقع لمسمى المساواة بين المواطنين ولا بين الدول كذلك، وإنما الموجود مجرد رعايا وأتباع سواء كان مواطناً أو دولة.

فالمواطنون في العالم الثالث يتطلَّعون إلى المساواة كما هو منصوص عليها في دساتير دولهم، ولكنهم لا يجدون في الواقع إلا السراب الذي (يحسبه الظمآن ماء)، بل وصل حال تبعية المواطن في دول العالم الثالث إلى كونه قد صار مِلكاً لحكومته وليس العكس كما هو الوضع الصحيح، ففي دول العالم الأول هناك (حكومة الشعب) أما في دول العالم الثالث فهناك (شعب الحكومة)، وحالة دول العالم الثالث من التبعية والارتهان للغرب أو الشرق واضحة للعيان ولا تحتاج إلى دليل.

هذا الزيف والخداع الذي يعيشه المواطن العربي يُعدُّ تناقضاً فاضحاً، فهناك دساتير تُمنِّيه بالمساواة وواقع يعكس حجم التفاوت واللامساواة في كثير من مناحي الحياة، وهي نفس الصورة من التفاوت واللامساواة على مستوى دول العالم (بعوالمه) المتعددة الطوابق.

هذا الزيف والخداع الذي يعيشه المواطن العربي يُعدُّ تناقضاً فاضحاً، فهناك دساتير تُمنِّيه بالمساواة وواقع يعكس حجم التفاوت واللامساواة في كثير من مناحي الحياة، وهي نفس الصورة من التفاوت واللامساواة على مستوى دول العالم (بعوالمه) المتعددة الطوابق.

وعند البحث عن هذا المواطن الذي له حقوق وعليه واجبات متساوياً مع غيره من المواطنين، نكاد لا نجده فعلاً إلا في الدساتير الوطنية والمواثيق والعهود الدولية أمَّا على أرض الواقع فلا نرى إلا الأتباع والرعايا، هذا إذا استثنينا الكثير ممن يعيشون في دول العالم الأول، وبعضا ممن يعيشون كدرجة أولى في دول العالم الثالث.

هذا الإنسان (المواطن) الذي تُكتبُ الدساتير الوطنية والمواثيق والعهود الدولية باسمه، وتُصنَّف المؤلفات والنظريات والمقالات دفاعاً عنه، وتُعقد المؤتمرات وتدار الجلسات وتُعدُّ ورش العمل وتُنشأ مراكز الأبحاث والدراسات للتعريف به وإبراز مكانته وكرامته، هذا الإنسان (المواطن) الذي يتحدث باسمه القادة والزعماء السياسيون، وبصوته تفوز الأحزاب وتُشكَّل الحكومات.

هذا الإنسان (المواطن) متعدد المهام والواجبات لا نراه إلا ضمن رعايا الدولة لا ضمن مواطنيها، وضمن الاتباع الذين يعيشون على هامش الحياة وربما يموتون على هذا الهامش أيضاً لا ضمن المواطنين الذين يشعرون بالإستقلالية لا بالتبعية، وبكونهم مواطنين لا رعايا، هؤلاء هم المواطنون المتساوون (بالاسم) ولكنهم الرعايا والأتباع ( بالفعل).

لقد أدرك الغرب قيمة الإنسان (كمواطن) -وإن كان هذا مقتصراً على دولهم- فرفعوا من شأنه ومنحوه حقوقه، وأصبحت رتبة (مواطن) أعلى رتبة يتسمّى بها الإنسان، وهذا ما قاله إبراهام لنكولن في مقولته المشهورة: ( أنه لا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، وألا يرضى لأي شخص أن يكون أقل من ذلك). فجاء من بعده في دول العالم الثالث فجعلوا المواطنين درجات، وجاء القابضون على مراكز القوي في العالم الأول فجعلوا العالم (عوالم) متعددة الطبقات. 

سيظل الإنسان يحلم ويتطلّع للوصول إلى حالة المساواة مع بني جنسه في الحقوق والواجبات، تدفعه إلى ذلك رغباته وأشواقه، وسيستمر الأحرار يبشرون بإمكانية أن يأتي عصر (المواطنة المتساوية) وانتهاء عصر (الرعايا والأتباع) ورغم صعوبة ذلك وربما استحالته عند البعض إلا أنه سيظل (الحلم المستحيل الممكن) أو (المُحال) كما أراده الشاعر الفيلسوف محمد إقبال وهو يبحث عن إنسان:

رأيت الشيخ بالمصباح يسعى 
له في كل ناحية مجال 
يقول مللت أنعاماً وبُهماً 
وإنساناً أريد فهل ينال 
فقلنا ذا محال قد بحثنا 
فقل ومنيتي هذا المحال.