المنبر الفاشل

blogs - مسجد
من باب الطُّرفة أن أهل مسجد اشتكو من طول الخطبة، ممَّا أدى به إلى الابتعاد عنهم، وقدوم رجل آخر عليهم، فلما اعتلى المنبر كلمهم عن غزوة بدر، وقبل أن يقوم للصلاة نادى فيهم قائلا: أتعلمون قصة غزوة أُحد؟ قالوا: نعـم؛ فردَّ عليهم: إذن الجمعة القادمة عطلة.

أتدرون لماذا ذكرت هاته القصة؟! لكي أتكلم بكل شجاعة وموضوعية عن الوعظ البائس الذي يمارس داخل مساجدنا، والذي أساسه في الأول والأخير يعتمد على دغدغة عواطف الجماهير دون أن يلامس أي شفى من التأثيرات على مستوى الحياة أو التمكين نحو الإقلاع والشهود الحضاري، إن الطبيعة الوعظية التي اتسمت بها منابرنا، لن تؤثر في الواقع شيئا، بل بالعكس، فهي ترديه إلى أسفل سافلين، فلا يعتمد على الخطاب الفلسفي والعملي الذي يبارك على حياة الناس.

ولو صح أن يكون الوعظ حلا لما كانت أمتنا إلى الحالة التي نراها عليها اليوم، إذ يجتمع الملايين كل يوم جمعة ليستمعوا إلى هاته الخطب والدروس التي يعرفها معظم الناس، فما الجديد بالنسبة لما قيل في الأعوام الماضية، وربما ما سيقال في الأعوام القادمة؟ أليست مجرد خطب ووصايا ومواعظ نمطية حفظها الصغير والكبير فعلموا فتيلها وقطميرها ونقيرها، خاصة وإذا تحدثنا كيفية استغلالية السلطة السياسية للوعظ لأدركنا طوام أكبر وأكبر.

فالوعظ في الحقيقة هو تذكير لما أعلمه أنا وأنت وغيرنا، لا يأتي بالجديد بتاتا، فالواعظ على منبره تنتفخ أوداجه ويعلو صوته وقد يكثر نحيبه وبكاؤه من أجل أن يقول للناس: استيقظوا من نومكم، وأقيموا الحق وادمغوا الباطل وانحروه، وهو في تلك الحال لا يدري أنه يناقض نفسه بنفسه، وجعل من نفسه في ذلك الموقف الذي لم تتفطن له الجماهير المغَيبة التي حضرت للجمعة كأداء للواجب الوطني فقط، إذ إنه يعلم تمام العلم أنَّ إقامة الحق والتغيير لا يأتي من تلك الكلمات التي سرعان ما تُنسَى وفي أغلب الأحوال هي منسية، إذ عقل جماهيره عند سيارتهم وأحذيتهم تخاف أن يطوف عليها طائف فيجعلهم قاعا صفصفا.

التدين في وعي الأنبياء هو أن تكون إنسانيا لا كهنوتيا، الله لا يريد معبدا يعبد به وإنما يريد إنسانا يستخلفه، هذا ما قاله أمام الملائكة والملأ السماوي.

وبالتالي وعظه في طريق وغايته ورسالته في طريق آخر وهو لا يعلم، فكون الإمام في منطقة يقصي بعضهم بعضا ويتلاعنون فيما بينهم وغمتها الفحشاء والمناكير، ثمَّ يأتي ليحدث النَّاس عن أركان الصيام ومناسك الحج وغير ذلك، فهو خداع وغرر لهذه الأمة ولو بدون قصد، إذ إنه يوجد ألف ألف موضوع قد بَلِيَ في الرفوف يحتاج لكي يفتح ويناقش بكل جراءة وموضوعية دون مداهنة أحد على أحد أو جماعة على جماعة، كالفساد السياسي الذي كلنا نرتشف من مستنقعه، وسقوط القيم الأسرية والاجتماعية التي تتهاوى يوما بعد آخر، ونقد للمنظومات الصحية والتعليمية وما آلت لها وعليها، وغيرها من المواضيع الشائكة.

إذ لم يكن الإمام هكذا فلا كان أبدا، إذ إنه لا خلاف بينه وبين الفنان، فهناك الأضواء والأصوات والأثاث وكل عناصر الإخراج في العمل الفني، حتى يصبح الوعظ فناً متكاملاً من المقدمة الموسيقية أو التلاوة القرآنية الأولى، حتى الابتهالات والدعوات والصلوات والبكائيات الأخيرة، فالمستمع أتى إلى الوعظ ليفرج همَّه ويخفف كربه ويستريح نفسياً. ثم يغادر الوعظ ليشحن من جديد بمنغِّصات الحياة والصراع من أجل البقاء وإشباع الحاجات الأساسية وتوفيرها للزوجة والأولاد، وللآباء والأمهات، وللإخوة والأخوات الذين يعولهم. يجد في الوعظ خلاصاً وقتياً، وسعادة لحظية وراحة مؤقتة عن الهم الدائم والشقاء المستمر. لا يهمه موضوع الوعظ بل الوعظ نفسه، جماله ولغته وأسلوبه وصوته وخيالاته وأوهامه.

ورحمة الله على عبد الرزاق جبران حين قال: "التدين في وعي الأنبياء هو أن تكون إنسانيا لا كهنوتيا، الله لا يريد معبدا يعبد به وإنما يريد إنسانا يستخلفه، هذا ما قاله أمام الملائكة والملأ السماوي، حتى إبليس يشهد على ذلك".