من يُعيد كنوز بغداد؟

في الساعة التاسعة صباحاً يوم العاشر من نيسان عام ٢٠٠٣ طرق أحدُ الشباب من أبناء الجيران باب منزلنا وأراد أن يعطيَنا ماكينة خياطة مستخدمة استولى عليها من معسكر جيش القدس وهو جيشٌ شعبيّ أنشئ بحجة تحرير فلسطين و لم يكن في البيت سوى أخي الكبير إذ هربَ جميع من في المنزل كما فعل معظمُ سكان العاصمة حيث توجه السكان نحو المحافظاتِ ليحتموا بالعشائر في الأرياف خوفاً من اعتداء الغزاةِ على عائلاتهم كما قرأنا في كتب التاريخِ عن الغزاة.

أما والدي في ذلك الوقت فلم يكن قد عاد من واجبه إذ بقي مرابطاً في الواجب ولم يصدّق أنّ العراقَ قد احتُلّ وأنه يجب عليه أن يتركَ بندقيته ويعودَ إلى البيت لأنَّ كلّ شيء انتهى أخي رفض أخذَ ماكينةِ الخياطة ورماها في الخارج ووبّخ الجارَ السارق، السلبُ والنهب لم يقتصر على مواقعِ الجيش بل شمل كلَّ مؤسسات الدولة بما فيها المصارفُ والدوائر الحساسة والقصورُ وكل شيء صاحبَ أعمالَ السلب والنهب تلك عبثٌ وتخريبٌ وتصفيةُ حسابات.


قرابة الخمسة آلاف عام لديه من الإرث ما يكفي لأن يتنقلَ زعماءُ المافيات بطائرةٍ خاصةٍ من باريسَ وواشنطن إلى بغداد لنقلِ ما يمكن نقلُه من الآثار والمقتنيات الثمينة وثلاثة أيام فقط كانت كافيةً لسلب المتحف الوطنيّ في العاصمة.

حيث تجلّت الفَوضى بكل معانيها من الناس منْ لم يصدّق أنّ النظامَ انهار وبعضُهم كان يحلم بهذا المشهد وبين هذا وذاك تهيأت الأجواءُ المناسبةُ للعصابات المنظّمة حتى تعمل بأريحية حيث لا وجودَ للحراس ولا وجودَ لراعٍ للأملاك من يصل أولاً يصبح المالك فقد فتحت لهم أبوابُ المغارة.

والكنوزُ كثيرة جداً، اقتصادُ الدولة مبنيٌّ على مخزونها من العملة الصعبة والمعادن الثمينة هذا المخزون صار بحوزة اللصوص كما أنّ بلداً عمرُه قرابة الخمسة آلاف عام لديه من الإرث ما يكفي لأن يتنقلَ زعماءُ المافيات بطائرةٍ خاصةٍ من باريسَ وواشنطن إلى بغداد لنقلِ ما يمكن نقلُه من الآثار والمقتنيات الثمينة وثلاثة أيام فقط كانت كافيةً لسلب المتحف الوطنيّ في العاصمة.

بعد انقضاءِ يوم الأربعاء المشؤوم بدأت عصاباتُ الآثار يوم الخميس الموافق١٠ نيسان من العام ٢٠٠٣ بالسرقة مجموعةُ عصابات من عشرات الأشخاص ترددت على المتحف خلال ثلاثةِ أيام حملوا ما استطاعوا وحطموا ما لم يقدروا على حمله سُرق كلُّ ما تبقى من ملوك سومر وأكد وبابل وآشور وجردوا المتحفَ من قيمته من بين أكثرَ من مئتي ألف قطعة سرقَ اللصوص خمسةَ عشرَ ألفاً وكانوا يعرفون أيَّ القطع هي الثمينةُ والمهمة فامتدت أيديهم إليها. كما وسُرقت آلاف الأختام والأحجار والأشياء الثمينة التي تعود لآلاف السنين.

الآثارُ ليست كلَّ ما سُرق فمخزونُ العراق من الذهب والفضة والعملة الصعبة والأحجار الكريمة وكلّ مقدّرات البلاد وقعتْ فريسةً سهلة للعصابات والسراق الذين فتحت له قواتُ الاحتلال الغازية كلَّ خزائن البلاد حتى تستفيدَ هي الأخرى من ذلك واستفادت بالفعل إذ بعد قرابةِ شهرٍ من الاحتلال قبضتْ قواتُ الاحتلال الأميركي في قضاء القائم الحدوديّ غربي العراق على شِحنة تهريب تضمّ ألفي سبيكة ذهب تزن كلّ واحدة منها ثمانية عشر كيلو غراما وتبلغ قيمتها آنذاك نصف مليار دولار.

بعد ذلك بأيام عثر جنود الاحتلال في إحدى نقاط التفتيش بمدينة كركوك داخل شاحنة على ألف سبيكة ذهب وبالفترة نفسها عثر جيشُ الاحتلال في كركوك أيضا على ١١٨٣ سبيكة وقيمّت بـ ٧٠٠ مليون دولار والغريب أن في العام ذاته أعلن عن العثور على كميات أخرى من الذهب في بابل وبغداد ومناطقَ أخرى وجميعها سبائك قال الجيش الأميركي إنها بلا أختام رسمية ما يدل على أن هذا الذهب أعيد صهرُه وصبّه على شكل سبائك.


محافظ البنك المركزي السابق سنان الشبيبي قال إنّ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تسلّم أموالاً أكثرَ من كُلّ حُكام جمهورية العراق مجتمعين من عبد الكريم قاسم إلى صدام حسين وإنّ تلك الأموال التي تسلّمها المالكي تكفي لبناء بلدٍ يتسع لثلاثين مليون نسمة.

وبالإضافة إلى الذهب فإن ما أعلن العثور عليه يشمل الزنك والنحاس ومعادن أخرى هذا بالإضافة إلى مليارات الدولارات التي صودرت وسرقت من بيوتٍ لمسؤولين ومؤسساتٍ حكومية ومصارف وبنوك بالإضافة إلى مداهمات للأميركان على مقارّ وبيوت خُزنت الأموالُ والمعادن فيها بعد سرقتها وبحسب بياناتِ الجيش الأميركي آنذاك فإنّ جميع ما عُثر عليه نُقل إلى إحدى القواعدِ العسكرية لحين حسمِ أمره ولم يُعرف من مصير كلّ تلك الأموال سوى ذكرياتٍ من صورٍ نشرها جنودُ الاحتلال آنذاك بقيتْ عالقة في الأذهان.

الأميركان ليسوا وحدهم من استولى على كنوز العراق فالحكومات التي تعاقبت بعد غزو العراق واحتلاله استولى أعضاؤها على مبالغَ وُصفت بالخيالية وبعضُهم تمّ فضحه من قبل زملائه وهربَ خارج البلاد وبعضُهم الآخرُ مازال يتمتع بالنفوذ الذي يمكّنه من البقاء وقتا أطولَ في السلطة ما يعني وقتاً أكبرَ في المغارة.

وفي الآونة الأخيرة كشف أحد أركان حكومةِ العبادي وهو وزير النفط عادل عبد المهدي عن أنّ موازنات العراق منذ عام 2003 لغاية الآن بلغت 850 مليار دولار وقدّر الوزير أنّ 25.5 مليار دولار منها ذهبت إلى جيوب الفاسدين من المسؤولين في الدولة و تحدثَ عن هدر مئاتِ المليارات الأخرى في موازناتٍ تشغيلية غيرِ منتجة ومشاريعَ استثماريةٍ لم تؤتِ ثمارها.

لكنّ عبد المهدي نفسَه اتّهم أحد أفرادِ حمايته بسرقة ٥ ملايين دولار من مصرف الزويّة في العاصمة بغداد حيث حدثت عملية سطو على مصرف في منطقة الكرادة قتل فيها ٨ أشخاص جميعُهم من حماية المصرف وكان أحد المهاجمين من أفراد حماية عبد المهدي والذي كان يشغل منصبَ نائب رئيس الجمهورية في الحكومة التي كان يترأسها نوري المالكي والذي هو الآخر متهمٌ بقضايا فسادٍ عدة كشف بعضها للرأي العام وبعضها لم يتجرأ أحد على كشفها.

حتى إنّ محافظ البنك المركزي السابق سنان الشبيبي قال عنه إنّ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تسلّم أموالاً أكثرَ من كُلّ حُكام جمهورية العراق مجتمعين من عبد الكريم قاسم إلى صدام حسين وإنّ تلك الأموال التي تسلّمها المالكي تكفي لبناء بلدٍ يتسع لثلاثين مليون نسمة.


كنوز بغداد لن تنفد هكذا تقول الأساطير وحتى الوقائع ومفتاح المغارة الذي يملكه السراق منذ نيسان ٢٠٠٣ حتى الآن واللعنة التي أصابت العراق منذ ذلك التاريخ ستأكل الحرثَ والنسل ما لم يتخلَّ الشعبُ عن تقديس هؤلاء والوثوقِ بهم كلَّ ٤ سنوات.

ومن خلال المتابعة لتصريحات بعض المسؤولين وبعض التقارير يَظهر أنّ معظم من شارك في العملية السياسية منذ ٢٠٠٣ حتى الآن متهمٌ بقضايا فساد وعزز ذلك الانهيارُ الاقتصادي وتبادلُ الاتهامات واستمرارُ مسلسل الإقالات والاستجوابات في البرلمان والمتابع لجلسات البرلمان يرى أنّ وثائقَ عدة يظهرها النواب المستجوِبون للمسؤولين في الحكومة بعضُها تنتهي بالإقالة ومعظمُها بتجديد الثقة بعد أن يسعف المسؤول سياسياً عبر كتلته.


وكما قيل طبيب يعالج الناس وهو عليلُ! فالبرلمان هو الآخر متهمٌ أعضاؤه بالتستر على الفساد وهدرِ أموالِ الدولة وتقاضي النوابِ للرشاوى والمخصصات والمرتبات الكبيرة وهذا ما دفع العراقيين إلى الخروج بتظاهرات كبيرة في مناسباتٍ عدة للمطالبة بالقضاء على فساد البرلمان.

كنوزُ العراق تدار من قبل شركاءِ العملية السياسية والذين هم أنفسُهم متهمون بهدر وسرقة أموالِ البلاد منذ قدومِهم إلى السلطة وهؤلاء الشركاءُ يشكلون حلقاتٍ عدة إذ تجدهم في مجلس النواب ومجلسِ الوزراء ومجلس المحافظة والمجلس البلدي ويتقاسمون المناصب والوظائف و الموازنة وجميع الأموال تصبّ في جيوب كبارِ السرّاق.

كنوز بغداد لن تنفد هكذا تقول الأساطير وحتى الوقائع ومفتاح المغارة الذي يملكه السراق منذ نيسان ٢٠٠٣ حتى الآن واللعنة التي أصابت العراق منذ ذلك التاريخ ستأكل الحرثَ والنسل ما لم يتخلَّ الشعبُ عن تقديس هؤلاء والوثوقِ بهم كلَّ ٤ سنوات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال كريغ شكسبير مدرب ليستر سيتي حامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، إنه لا يرغب في أن يصبح فريقه "متجرا لبيع اللاعبين" حيث يستعد لدخول الموسم المقبل دون اللعب في أوروبا.

الأكثر قراءة