مَن فقَدوا حقَّهُم في الكلام

لا يخفى على أحد مقدار الأهمية التي حازتها رواية الأديب الإنجليزي جورج أورويل "1984" مُنذ نُشرَت عام 1949 وحتى يومنا هذا. فإن هذه الرواية تمتاز بأنها صالحةٌ لكُلّ زمانٍ ومكان، والأفكار السياسية التي تحتويها تنسحِبُ على كُلّ الأنظمة السياسية القديمة والحديثة.

ففِكرة السيطرة وحُبّ التملّك هي فكرة غريزيّة أصيلة في كُل فرد، وبالتالي فهِيَ أصيلةٌ في كُل مجموعة مُنظّمة، فلا جَرَم أن تكُون غاية أي حِزب سياسي أو ديني هي السيطرة -في المقام الأوَّل- على عقول وتوجّهات الأفراد داخل المُنظَّمة أو الدولة أو أي تجمُّع بشري مهما كان صغيراً.


طبعاً هُنالِك أعمال أدبية أخرى، سابقة على رواية أورويل، طرحَت ذات الفكرة وناقشَت ذات القضايا. مِثل رواية "عالم شجاع جديد" للروائي الإنجليزي ألدوس هكسلي، ورواية "نحنُ" للروائي الروسي يفغني زامياتِن (وهي الرواية التي ألهَمَت أورويل بشكل خاصّ لكتابة روايته).


لا أريد أن أتناوَل سَيل الأفكار التي طرحتهَا رواية أورويل، فالمجَال لن يتّسع. إنما أريد فقط أن أتناوَل فكرةً واحدة، وهي الفكرة التي طرحَتها شخصيَّة (سايم)، وهو الرجل المُكلٌّف بإعداد المعجم اللغوي في الرواية.

فحقيقة أن يكتُب ثلاثةٌ من أعمدة الأدب العالمي عن ذات الموضوع، فإن هذا يدلّ بشكل واضح على أن هذا الموضوع جدّي وخطير، ولا يصحّ أن يُستهان به أو أن يُهمَل. ولربّما يجب أن يتعامَل معه الكُتَّاب والروائيّون العرب بنفس الجِدّية، خاصَّة أن آثاره مُنعكسة الآن في عدّة بلدان عربيّة.


وإنني في هذا المقام لا أريد أن أتناوَل سَيل الأفكار التي طرحتهَا رواية أورويل، فالمجَال لن يتّسع. إنما أريد فقط أن أتناوَل فكرةً واحدة، وهي الفكرة التي طرحَتها شخصيَّة (سايم)، وهو الرجل المُكلٌّف بإعداد المعجم اللغوي في الرواية.


يقول سايم: "إننا نقوم بتدمير الكلمات -عشرات بل مئات الكلمات- كل يوم يجري تدميرها، إننا نسلخ اللغة حتى العظام"، 
إنَّ المعرفة، كما قال بيكُون، قوَّة. وهذه المعرفة تستمدُّ روحَها وقوّتها من الكَلمة. فما المعرفةُ إلا تجلٍّ من تجليَّات الكلمة (اقرأ). فالكلمةُ، في الحقيقة، هي الدرجة الأولى في السُّلم نحو الوعي، وهي لبِنَتُهُ الأساسيَّة.


وإنَّ الأسلوب الذي ينتهِجُهُ (سايم) وأمثالُهُ من الشخصيات الحقيقيّة المعاصرة، هو أسلوب ينطوي على منطِق شديد الخطورة: منطق الإقصاء والوصاية الفكرية. وهو منطقٌ استخدَمَتهُ وتَستخدمُهُ مُعظم الجماعات الدينية (بشكل خاصّ)، والسياسية عموماً عندما تُخاطب الجماهير. ولنا في بعض الديكتاتوريين عبر التاريخ خير عبرة ودليل.


بالطَّبع عندما تُخاطب هذه الجماعات، المريضة بحُب السيطرة، عامَّة الناس، فإنها لا تبيِّن أعراض مرضِها لهُم بشكل مباشِر، بل تُزيِّن أطروحاتها بالمنطِق -تماماً كما فعَل سايم- فإنَّ الذي يستمِع لكلام سايم يجِد فيه، للوهلة الأولى، اتساقاً منطقياً. بالفعل، كما قال سايم، إن كلمة "جيّد" على سبيل المثال تحمِل معها ضدَّها بشكل تلقائي (كلمة "سيء"). فإن كانت كلمة "جيّد" موجودةً أصلاً في المعجم، فما الفائدة من وجود كلمة "سيء" أيضاً فيه؟! هذا بذَخ! فالمنطق يقول أننا يجب أن نشطب كلمة "سيء" ونُبقي على كلمة "جيّد" فقط حتّى نتجنَّب الإسراف ونوفِّر المساحة في المعجم!.


رؤية "سايم" هذه تبدو منطقية. ولكن الذي يتمعَّن فيها قليلاً، يبدو لهُ عوارها. وإنَّ أصل هذا العوار أنَّ حذف هذه الكلمة، التي يُدَّعى أنها غير ضرورية، هو في حقيقتهِ حذفٌ لجزءٍ من حُريَّة الفرد، وتقليلٌ من مساحة هويَّته كإنسان له حقُّ التعبير. ولأجل هذا يوضِّح الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش رؤيتهُ لأهميَّة الكلمة -كُلّ كلمة- فيقول: "وأنتَ تُحرّرُ نفسكَ بالاستعارات، فكّر بغيرِكَ: من فقدوا حقَّهم في الكلام". بالتالي، يكون في تدمير الكلمة، تدميرٌ لإنسانيَّة الفرد ذاتِهِ، وتجريدٌ لهُ من حريَّتِهِ – التي هي أغلى ما يملِك.


لا يُمكِن أن تؤدي سياسة تدمير الكلمات إلى مزيد أمن واستقرار كما يتمنّى الدكتاتور السياسي أو الديني. بل على العكس، سوف تكون نتيجتُها مزيدَ جهلٍ وتطرفٍ ودمار. فإنَّ الوسيلة الوحيدة لإصلاح مسار فكري ما، هي مُواجهتُهُ بمسار فكري آخر أكثر رقيَّاً وإقناعاً.

يبرر الأخ الأكبر، دكتاتور الرواية، هذه السياسة (سياسة تدمير الكلمات وإنشاء لغة جديدة تحتوي عدداً قليلاً جداً من الكلمات) بأنَّها تهدِف إلى القضاء على ما يسمّيه "الجريمة الفكرية". فيقول على لسان سايم: "ألا ترى أن الغاية النهائية للغة الجديدة هي التضييق من آفاق التفكير؟ بحيث تصبح جريمة الفكر في نهاية المطاف جرماً مستحيل الوقوع من الناحية النظرية، وذلك لأنه لا توجد كلمات يمكن للمرء من خلالها أن يرتكب هذه الجريمة"


وهذا يذكّرني، حقيقةً، بكثير من الأنظمة السياسيَّة والدينيَّة في عدَّة بلدان عربيَّة وغير عربيَّة. حيثُ تبرّر هذه الأنظمة تقييد حريَّة الفكر والتعبير بحجج من قَبيل "القضاء على الإرهاب" أو "محاربة التطرف" أو "الحفاظ على الدين" أو غير ذلك. وهذه الأنظمة في تبريراتها تلك لا تختلف كثيراً عن الأخ الأكبر الذي تنبّأ أورويل وغيرهُ بأنَّهُ سيكون ظاهرة متكررة في التاريخ.


طبعاً لا يقتصر هذا الفهم وهذا المنطق التبريري على الأنظمة السياسيَّة والدينيّة فحسب، بل يمتدّ ليشمل التجمُّعات الثقافية والطلابية في الجامعات للأسف الشديد. فنرى بعض هذه التجمعات تبرّر دعواتها لحظر كتُب معينة، على سبيل المثال، بحجج من قَبيل "محاربة الإلحاد" أو "صدّ المدّ الشيوعي" أو غير ذلك.


في رأيي، لا يُمكِن أن تؤدي سياسة تدمير الكلمات إلى مزيد أمن واستقرار كما يتمنّى الدكتاتور السياسي أو الديني. بل على العكس، سوف تكون نتيجتُها مزيدَ جهلٍ وتطرفٍ ودمار. فإنَّ الوسيلة الوحيدة لإصلاح مسار فكري ما، هي مُواجهتُهُ بمسار فكري آخر أكثر رقيَّاً وإقناعاً. والكلمات لا يجب مجابهتها إلا بمزيد من الكلمات، وليس على طريقة سايم ودكتاتورِهِ في الحذف والتدمير.


إنَّ حلّ أي خلل فكري يكمُنُ في ما نادى بهِ درويش: أن نحرر أنفسَنا بالاستعارات، لا أن نفقد حقّنا وإنسانيّتنا بقمعِ الفِكر وتحطيم الكلمات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

طالبت والدة الجندي الإسرائيلي المفقود بقطاع غزة هدار غولدن صناع القرار بتل أبيب باتخاذ قرارات تؤدي لدفنه داخل إسرائيل، وقالت إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كسر قلوب عائلات الجنود المفقودين.

يرجع خبراء اقتصاد الهبوط الحاد للدينار التونسي لتدهور الوضع المالي والاقتصادي على جميع المستويات، ناهيك عن تداعيات التصريحات المثيرة لوزيرة المالية، في حين يربط خبراء الهبوط بضغوط يمارسها صندوق النقد.

الأكثر قراءة