خشخاش بن سعيد.. البحار المسلم الذي اكتشف أميركا!

تم العثور بالساحل الشرقي لفنزويلا في أواخر القرن التاسع عشر على وعاء خزفي يضم حوالي 6.000 قطعة نقدية قديمة معظمها نقود رومانية من القرن الرابع، بالإضافة لقطع إسلامية من القرن الثامن. حصل على هذه القطع النقدية آنذاك الملحق العسكري بسفارة الولايات المتحدة في فنزويلا بيركلي لويس. الذي، بعد رحيله عن سفارة فنزويلا، اشتغل بمؤسسة سميثسونيان بواشنطن. فرصةٌ، دفعته لإطلاع صديقه عالم الآثار البحرية مندل ل.بيترسون على الآثار النقدية التي جلبها معه من فنزويلا.

 

ذكر بيترسون في رسالة بعثها ل بول ج. ويليس في السابع من مايو لسنة 1968 أنه بصدد دراسة القطع النقدية المكتشفة في فنزويلا مع عزمه إصدار تقرير خاص عن الاكتشاف فور الانتهاء من ذلك. لذلك فمن المرجح أن هناك بحث مدون بقلم مندل ل. بيترسون مفقود حاليا، غابرٌ، مَنسيٌ أو مُهمَل. ويؤكد بيترسون في نفس الرسالة، تضرر القطع النقدية المكتشفة بفعل التآكل والصدأ، إلا أنها لا زالت قابلة للدراسة والتمييز، أغلبها روماني وبعضها إسلامي من القرن الثامن.
  

تاجر المسلمون مع سكان أميركا الأصليون بطريقة سلمية دون حاجة لاحتلال أو اضطهاد أو قمع. واستمرت هذه العلاقات التجارية الإسلامية طويلا إلى غاية وصول الأوروبيين

من المثير في هذا الاكتشاف اِشْتِمَالهُ على العديد من النقود المتشابهة والمكررة، مما يقلص احتمال أن يتعلق الأمر بمجموعة نقدية أثرية مخبأة أو مفقودة أو مدفونة في الآونة الأخيرة أو بعد وصول كريستوف كولمبوس. حيث أن المجموعات النقدية الأثرية عادة ما تتكون من قطع نقدية وحيدة ومنفردة. وبالتالي يتعلق الأمر على الأرجح بأموال فُقِدَت في حادثة غرق بالساحل الفنزويلي في القرن الثامن. صحيح أن معظم النقود التي تم العثور عليها رومانية إلا أن وجود النقود الإسلامية التي تعود للقرن الثامن تدفعنا للتفكير بحالة غرق حدثت بعد الفترة الزمنية لصدور أحدث قطعة. وبالتالي فإننا على الأرجح أمام حالة غرق لقارب في القرن الثامن أو التاسع.
  

مثير للانتباه أيضا أن من بين كل تلك القطع النقدية التي تبلغ حوالي ستة آلاف قطعة، قليلة هي القطع التي تنتمي لما بعد العصر الروماني. مما لا شك فيه أن في قديم الزمان، كانت النقود تستعمل أحيانا حتى بعد سقوط السلطة التي أصدرتها. وبالتالي فإن النقود الرومانية، بالرغم من انهيار الإمبراطورية الرومانية، استمر تداولها من طرف شعوب من مختلف أرجاء البحر الأبيض المتوسط.
 

كما قام بدراسة القطع النقدية المكتشفة عالم الآثار ثيروس إيرزل غوردون. وبخصوص وجود القطع النقدية الإسلامية، يرى غوردون أن الأمر يتعلق على الأرجح بأموال مفقودة من قارب أندلسي وصل فنزويلا في القرن التاسع، مستشهدا بما كتبه المؤرخ والجغرافي أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في هذا السياق في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر.
 

يتحدث المسعودي في كتابه عن بحار مسلم يُعتقد أنه أول من قطع المحيط الأطلسي وأول من اكتشف أميركا. يُدعى خشخاش بن سعيد بن أسود. ازداد ببَجّانة الأندلس حاليا بيتشينا، بلدية تقع في مقاطعة المرية. جنوب شرق إسبانيا. أبحر خشخاش لأميركا سنة 889، عاد منها بحمولات ثمينة. بدأ رحلته إلى أميركا من ميناء بالوس دي لا فرونتيرا وهي بلدية تقع في مقاطعة ولبة التابعة لمنطقة أندلوسيا جنوب إسبانيا. يرتبط تاريخ بالوس ارتباطا وثيقا بالعمل البحري والاستكشافات الجغرافية وهو نفس الميناء الذي سيخرج منه كريستوف كولمب باتجاه أميركا.
  
هل الأمر مجرد صدفة؟ هل كان كريستوف يعلم شيئا عن هذا الكتاب؟ هل كان يعرف شيئا عن هذه الرحلة؟ طبقًا لبعض العلماء والمؤرخين فإن كولمبوس وصل إلى أميركا بعد الاستعانة بخرائط المسعودي، ويعتقد ثيروس إيرزل غوردون أن خشخاش بن سعيد بن أسود أو أحد أفراد طاقمه سيكون على الأرجح قد وصل فنزويلا وفقد في حادث غرق القطع النقدية التي سيتم اكتشافها بعد ذلك بقرون.
 

علاوة على ذلك، اكتشف عالم الآثار خورخي دياث في فبراير سنة 1998 هيكلا عظميا لرجل توفي بالجذام بكهف إيل نرانخو جنوب ماتنزاس بكوبا. الشيء العجيب هو أن هذا الرجل توفي في القرن التاسع، حتى مجيء كريستوف كولمبوس كان هذا المرض مجهولا في أميركا. تجدر الإشارة إلى مسألة تزامن سفر خشخاش بن سعيد إلى أميركا مع واقعة وفاة هذا الشخص.
 

فكرة وجود قارة أخرى وراء المحيط الأطلسي كانت معروفة جدا ومنتشرة قبل رحلات كريستوف كولمبوس، خاصة بين أهل الثقافة والعلم

حسب لويزا إيزابيل ألباريس دي طوليدو مؤلفة كتاب إفريقيا مقابل أميركا، كثرٌ هم من وصلوا القارة الأمريكية قبل كولمبوس: أفارقة، فينيقيون، سلتيك أيبيريون، باسكيون، فايكنج ومسلمون من أوروبا وغيرهم. كان السفر، حسب الكاتبة، من أندلوسيا والمغرب نحو أميركا سهل جدا تقنيا وخال من الصعوبات، لم يدم إلا حوالي شهر وبضعة أيام في اتجاه فنزويلا. تاجر المسلمون مع سكان أميركا الأصليون بطريقة سلمية دون حاجة لاحتلال أو اضطهاد أو قمع. واستمرت هذه العلاقات التجارية الإسلامية طويلا إلى غاية وصول الأوروبيين والذين باسم نصرة الديانة الكاتوليكية حطموا أفضل ما جاءت به حضارات أميركا الأصلية.
 

إن فكرة وجود قارة أخرى وراء المحيط الأطلسي كانت معروفة جدا ومنتشرة قبل رحلات كريستوف كولمبوس، خاصة بين أهل الثقافة والعلم. كما يرى الدكتور أتيليو فوليريو أستاذ نظريات العلاقات الاقتصادية الدولية بجامعة فنزويلا البوليفارية العسكرية أن القارة الأمريكية كانت مرسومة من طرف عدة جغرافيين وعلماء خرائط وفلكيون نذكر على سبيل المثال خريطة الجغرافي الألماني إنريكي مارتيلو الذي عاش بإيطاليا والتي تعود لسنة 1489، أي ثلاث سنوات قبل انطلاق أول رحلة لكريستوف كولمبوس. حيث تظهر القارة الأمريكية وحتى بعض أنهارها كنهر أورينوكو. كما يظهر العالم الجديد في خريطة لأندرياس والسبرخير تعود لسنة 1448 وفي خريطة لعالم الفلك الإيطالي باولو توسكانيلي.
 

أين توجد القطع النقدية المكتشفة حاليا؟
من المفترض أن هذه النقود لا زالت موجودة بأدراج مخازن مؤسسة سميثسونيان، وحسب مصدر آخر فإن مؤسسة سميثسونيان بعد دراسة القطع النقدية قامت على الأرجح بإعادة القطع الأثرية لصاحبها بيركلي لويس وقد تكون اليوم من ممتلكات العائلة. ولا زال مصير القطع النقدية مجهولا في غياب أي تدخل جاد من المؤسسات الثقافية الفنزويلية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

خلال الفترة الواقعة بين 1947 و1994 نظمت ثماني جولات للاتفاقات التجارية متعددة الأطراف. وتعد الجولة الأخيرة (أوروغواي 1986-1994) أهم واعقد وأطول الجولات بسبب ازدهار العلاقات الاقتصادية العالمية بدرجة كبيرة جدا،.

نقلت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مكوك الفضاء أتلانتيس إلى منصة إطلاقه في كيب كانافيرال بفلوريدا استعدادا لتحميل مختبر الفضاء الأوروبي كولومبوس على متنه. وسيستعد أتلانتيس للانطلاق الذي يستمر ثلاثة أيام اعتبارا من الثالث من ديسمبر/ كانون الأول.

الأكثر قراءة