كنا وكنتم.. الذكرى اليومية لموت أخلاقنا

أصبح مجتمعنا العربي من الناحيتين الأخلاقية والإنسانية تائها لا أصالته في يد ولا المعاصرة المرغوب فيها في اليد الأخرى، يبتغي التقدم والتطور السريعين ومحاكاة المجتمعات المتحضرة ولو على حساب أصالته وثقافته اللتان تحددان هويته. لكن قبل بناء موضوعنا يجب أن نضع له أرضية، وهي أن المشكل ليس في التطور والتحضر، نحن نريد ونتمنى ذلك حتما.

المشكل في كيفية وطريقة وصوله لهما، لأنه اختار التقليد الأعمى بدل الدراسة المعمقة. قصته كذاك الغراب الذي أراد أن يقلد طريقة مشي البطة، فلا هو أتقن مشيتها ولا هو عاد يمشي كالغربان، فبقي معلقا بين الاثنتين. هذا باختصار هو حال مجتمعنا المتشابكة أحواله.
 

تبحث عن القيم الأصيلة والأخلاق الرفيعة فلا تجد ما يشفي غليلك. لكن هذا لا يعني أن لا وجود لها، يكفي أن تزور أقرب بادية لك وستجد ما أتحدث عنه وترى الفوارق الصارخة بين المدينة التي أطلقوا عليها اسم "الحضارية" وبين البادية "الغير حضارية".

يجب أن نتفق أولاً أنه رغم التنوع الأيديولوجي الذي يشهده مجتمعنا حاليا، إلا أنه اتخذ الإسلام عقيدة له بحكم الأغلبية الشعبية والسلطات الدستورية، لكن هذا لا يعني أن الكل متخلق حسب معايير الدين الإسلامي، ولا يعني أيضا أن الكل لا أخلاق لهم، لكن الأكيد أن الوضع الذي عليه العرب لا يبشر بالخير ويصل بنا لنهاية الطريق قبل بدأ الرحلة.

تعكرت مياه أخلاقه بالماديات، الملاهي، الشهوات، الأنانية، وكيف لا المصلحة الذاتية. وعندما تسلط لهم الضوء على مشكلتهم يجيبونك وحفنة التراب موجهة نحو بصرهم وبصيرتهم أن هذه هي الوسطية والاعتدال ومسايرة العصر وغيرها من التعليلات المنتحر فيهما المنطق ولغة العقل.

وأنا أكتب هذا المقال بحرقة حول مجتمعنا الذي يمشي على رأسه ويفكر برجليه، تذكرت مشاهد من الشارع المغربي الذي حتما رأيتموها في مجتمعاتكم أو ربما حالفكم الحظ وأتت لعتبة داركم، أتكلم عن شباب سُلبت منهم هويتهم وقلدوا "كالأعمى في الظلمة" من لا أخلاق لهم، وبنساء انشغلن بالموضة ومتابعة مسلسلات فارغة من المعاني والأخلاق تحطم كل أرقام المواد السمعية البصرية (رحم الله سوريا، العراق ومصر). ورجال اسعتمروا المقاهي يتغذون فيها بالنميمة والكلام الذي لا يأتي أكله.

هذا هو رأس البئر، فما بالك إذا حاولت التعمق والتنقيب في كثرة الإجرام، الطائفية، والدعارة (خصوصا التي تمارس باسم الدين كزواج المتعة والقاصر)، الانتحار ومشاهد أخرى لا تعد ولا تحصى. وفي المقابل تبحث عن القيم الأصيلة والأخلاق الرفيعة فلا تجد ما يشفي غليلك. لكن هذا لا يعني أن لا وجود لها، يكفي أن تزور أقرب بادية لك وستجد ما أتحدث عنه وترى الفوارق الصارخة بين المدينة التي أطلقوا عليها اسم "الحضارية" وبين البادية "الغير حضارية". وهنا أطرح سؤالا: هل الحضارة تتجلى في انعدام الضمير الأخلاقي والطغيان المادي على الجانب الروحي والإنساني؟.

على ما يبدوا "الإنسان على شكله يقع". وزلة الإنسان العربي كانت ضخمة لدرجة أنّي لم أجد لها وحدة قياس. فبعد أن كان هو المتقدم في سلم الحضارة والتي من خلالها بسط أخلاقه عالميا وذاع صيته ليتهافت عليه أصحاب العقول النيرة من كل صوب، وما إن بنى أعمدته الشامخة حتى سقطت وتدهورت ليفسح المجال لوافد جديد أخد لبه وترك له القشور على أنها سلعته الأصلية، وكرس التقدم والرقي دينا له. امسك بمربط الخيل وطور امكانياته العلمية والاقتصادية والصناعية والسياسية وأصبح الكل يصفق لإنجازاته ويبارك وينحني لعظمته. ولم يسلم مجتمعنا هو الآخر من سيله الجارف.

ما يمكن احتسابه لمجتمعنا هو أنه رفض في بادئ الأمر تغيير جلبابه، لكن رفضه لم يدم طويلا حتى تفاجأ بخلعه واستبداله بقميص "غير ساتر". وحصل له ما حصل لصديقنا الغراب: لا استطاع الرجوع لجلبابه المحبوب ولا هو ترك ذاك القميص العصري الذي آلفه.. هذا هو واقعنا شئنا أم أبينا.

لأمر لا يقف عند حد اللباس.. بل يتجاوزه إلى طريقة الكلام، التفكير، الأكل، وحتى التصرف، كله تقليد أعمى يشفي غليل الفراغ الذي يعيشه الشباب والبنات، الرجال والنساء وحتى الأطفال الأبرياء الذين يتربون على هذا المنوال.

فلما "نغطي الشمس بالغربال"؟ لما هذا النفاق الاجتماعي؟ نريد الحداثة "الغريبة" والأصالة "أولاد البلد" في نفس الوقت؟ نريد التوفيق بين ما فرضه علينا المجتمع الراقي من جهة وعدم التخلي عن موروثنا من جهة أخرى. نعم، نريد ثقافة غربية بجلباب عربي، وهذا ما نراه غالبا في الدول الأوروبية حيث يخرجون في مظاهرات لنشر فكرهم "الغير نفعي" على أنه الصلاح، يهللون لمن وافقهم ويردحون لمن خالفهم.

دعوني أقل لكم باختصار: مسعاكم غير ممكن، لأن لكل مجتمع خصوصياته الثقافية، الدينية، والاجتماعية. وبالتالي فلكل حضارة بريقها وفق شروط شعبها الداخلية وإمكانياتهم الخاصة، إن غيرتها تغير ليلك لنهارك وأضعت بوصلتك، وهنا أطرح سؤال آخر: هل تمكن مجتمعنا العربي من التوفيق بين قيم الحرية والمساواة في الدين وفي القوانين الوضعية حتى يحلم بالجلوس في كرسي العالم المتحضر؟.


أظنه استطاع من الناحية المظهرية فقط: كالهندام والكلام (الأنجلوعربية والعرنسية) والثقافة السطحية.ولم ولن يوفق قطعا من الناحية الداخلية، لأنه يقف على حافتين حادتين يشهد صراعا دمويا بين الضمير الطبيعي للهوية (ما تربى عليه) وبين التقليد الأعمى الذي يحبون تلطيف لفظه بكلمة "التحضر". أي أن حالته النفسية متكسرة إن لم أقم ممسوحة. وهنا أستحضر مثال الفتيات اللائي يلبسن الحجاب في رؤوسهن والسراويل اللاصقة في أجسادهن. يكفي أن تسألهن ليجبنك أنهن غير مرتاحات لهذا اللباس لأنه غالبا يكون مفروضا عليهن من طرف الآباء أو أرباب العمل. لذلك تقف المسكينة مضطربة عقليا وتائهة بين سعد الغامدي وسعد المجرد.

وماذا نقول عن الفتيان الذين يلبسون تلك السراويل والقمصان المشدودة التي تصعب عملية جريان الدم في الشرايين ما يصعب وصوله للعقل ليمارس مهامه الطبيعية كالتفكير والتمعن في شكلهم البهلواني مثلا، أو قصات الشعر واللحية الغريبتين.. ما إن تمر أيام معدودات حتى ترى المدينة تطغى بهم، والحلاقون جاهزون نفسيا وتقنيا لفعل نفس القصة طوال شهور إن لم أقل طوال أعوام.. وقس على ذلك عزيزي القارئ.

لكن هذا لا يقف عند حد اللباس.. بل حتى في طريقة الكلام، التفكير، الأكل، وحتى التصرف. كله تقليد أعمى يشفي غليل الفراغ الذي يعيشه الشباب والبنات، الرجال والنساء وحتى الأطفال الأبرياء الذين يتربون على هذا المنوال المرضي. أختم بسؤال أخير: أين ذهبت عفة وحياء أمهاتنا، وشجاعة ومسؤولية آبائنا؟ كيف ومن يربون أبناؤنا؟ هل فعلا يهتمون لتربيتهم؟ متى نستيقظ من النوم؟ هل نحن أحياء أصلا؟.

أختم مقالي هذا ببيت شعر أجد فيه الأفيون لجراحي وجرعة الأمل لتطلعاتي:
لكل جواد كبوة
ولكل فارس غفوة
لكن ما من جواد يكبو للنهاية
وما من فارس يغفو للأبد!.



حول هذه القصة

طوّر علماء أميركيون كيسا مليئا بسوائل شبيها بالرحم يُعرف بأنه جهاز دعم خارج الرحم يمكن أن يوفر الرعاية للمواليد الخدج جدا ليحسنوا بذلك فرص بقاء هؤلاء الأطفال على قيد الحياة.

قدر لنحو ألفي سوري في أوكرانيا أن يكونوا عالقين، فالحرب أتت إما على مدنهم أو بيوتهم أو ذويهم، فشبح الاعتقال أو التجنيد حاضر يحول بينهم وبين ما كانوا يسمونه “وطنا”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة