قضايانا ومعاركنا الخاسرة

من الأمور التي يمكن ملاحظتها وبخاصة في عصور الجهل والتخلف والضعف كثرة المعارك الخاسرة التي نستدرج إليها كعرب ومسلمين، والهدف من هذه المعارك هو استنزاف الطاقات والجهود وبث الفرقة الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والمنتمين لدين واحد، وشغلهم عن حقوقهم الأساسية وقضاياهم المصيرية.

والأمثلة على شغل العرب والمسلمين بقضايا فرعية وجزئية متعددة وجزء كبير منها يتعلق بالتدين الشكلي وبأمور لا تمس جوهر الدين، ومن الأمثلة على ذلك قضايا اللحية والنقاب وتقصير الثياب والتي انشغل بها الكثيرون في العالم الإسلامي، وكأنها من أركان الدين الرئيسية التي لا تقوم حياة المسلمين إلا بها. 

مع كل جديد يصلنا من الغرب أو من الدول المتقدمة الأخرى هناك العديد من الأسئلة التي تُطرح ومنها: هل يجوز اقتناء التلفار وهل تجــوز مشاهدة برامجه؟ وهل ارتداء البنطلون حرام؟

والمؤسسات الدينية الرسمية خاضت العديد من المعارك الفقهية في مواجهة المجتمع ومواجهة التطور الذي تشهده البشرية، ومن المعارك التي خاضها بعض العلماء والدعاة وكثير من المتشددين معركة التوسع في التحريم والتضييق، مع أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، ومن الملاحظات التركيز على الوسائل وإغفال الغايات والمقاصد، ومن الأمثلة على ذلك: هل يجوز التسبيح بالمسبحة؟ أعرف مدعيًا للعلم أفتى بحرمة التسبيح بالمسبحة وأجاز التسبيح بالعداد الإلكتروني مع أنهما من الوسائل التي يُفترض أن تأخذ نفس الحكم!

ومع كل جديد يصلنا من الغرب أو من الدول المتقدمة الأخرى هناك العديد من الأسئلة التي تُطرح ومنها: هل يجوز اقتناء التلفار وهل تجــوز مشاهدة برامجه؟ وهل ارتداء البنطلون حرام؟ وهل يجوز الأكل بالملعقة؟ وهل يجوز ركوب السيارات؟ وغيرها من الأسئلة التي تنم عن جهل عميق بأمور الدين وبمقاصد الشريعة التي جاءت لتيسر للناس أمور حياتهم. 

ومن القضايا التي شُغل بها المسلمون من عقود قضية حقوق المرأة نتيجة التركيز الغربي عليها ودعوات التحرر التي انطلقت في الشرق والغرب، والمسلمون ليسوا بحاجة إلى التركيز على قضايا المرأة، فحقوق المرأة مصونة بالشريعة وبتعاليم الإسلام، وحقوق المرأة في الإسلام أعظم وأسمى من الحقوق التي نالتها أو تطالب بها المرأة في العالم بل وحتى في الدول المتقدمة، وهذا لا ينفي تقصير المسلمين في منح المرأة حقوقها كاملة. 

ومن القضايا التي انشغل بها الفقهاء وحجروا فيها واسعًا قضية تعليم المرأة وخروج المرأة للعمل فضيعوا على الأمة خيرًا كثيرًا، فالمرأة في زمن النبوة والرسالة شاركت مع الرجال في جميع مناحي الحياة بما ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل ونشر العلم، والكثير من المجتمعات العربية والإسلامية اليوم تجاوزت هذه القضية وأصبح من المسلمات والضروريات خروج الفتيات للتعليم وخروج المرأة للعمل مع تجاوز الضوابط الشرعية التي أقرها العلماء في هذا الشأن، وهو أثر سلبي من آثار حرمان المرأة في السابق من التعليم ومن العمل. 

ومن القضايا التي انشغل بها العلماء والدعاة وكثير من الشباب لعدة سنوات قضية الموسيقى والغناء ما بين محرم ومحلل، ثم طويت هذه القضية التي سال حولها الكثير من المداد وألفت حولها العديد من الكتب، ولم يعد هناك اهتمام بها، ومنها مسألة التصوير والتضييق على الناس فيها وفتاوى تحريم التصوير، وهذه المسألة لم تعد مطروحة على الساحة في عصر الصورة وعصر مقاطع الفيديو. 

ومن القضايا التي ركز عليها الغرب وشغل بها المسلمين قضية الحدود في الإسلام، وهذه القضية لا ينبغي أن تمثل لنا هاجسًا أو عارًا نحاول الخلاص منه أو تبريره؛ لأنها جزء يسير من النظام الذي جاء به الإسلام ولا تتحقق سلامة وأمن ورفاهية المجتمع إلا به، وكل النظم في العالم لديها قوانين خاصة بالعقوبات ولا أحد يتدخل أو يعترض على تلك القوانين التي تهدف إلى حماية المجتمع. والحدود في الإسلام كما أسلفنا جزء من النظام العام الذي جاء به الإسلام لإدارة شؤون المجتمع، ولا تطبق هذه الحدود إلا إذا تحققت للإنسان مقومات الحياة الكريمة في مجتمع يسود فيه العدل والمساواة.

ومن القضايا التي وُوجه بها أنصار التيار الإسلامي قضية السياحة وما يتعلق بها من عري وتقديم الخمور، وكان من الملاحظ تركيز وسائل الإعلام على موقف الإسلاميين من السياحة بغرض إحراجهم أو استدراجهم، ولم يسألهم أحد عن رؤيتهم لإدارة البلاد ومحاربة الفساد إن كانت لديهم رؤية.

من القضايا التي انشغل بها العلماء والدعاة وكثير من الشباب لعدة سنوات قضية الموسيقى والغناء ما بين محرم ومحلل، ثم طويت هذه القضية التي سال حولها الكثير من المداد.

ومن الوسائل المعتمدة لشغل الناس عن أمور حياتهم اليومية والمشكلات الاقتصادية والاستبداد السياسي والفساد المستشري في المجتمعات العربية الفتاوى والآراء الشاذة حول قضايا تافهة في مجملها مثل إباحة الرقص الشرقي أو الاحتفال بأعياد ومناسبات غير المسلمين.

ومن القضايا التي يُخطط الغرب لاستغلالها منذ زمن بعيد ويُستدرج إليها العرب والمسلمون القضايا المتعلقة بالثنائيات وبالطوائف والأقليات، فهناك الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين من جهة، وهناك الصراع بين السنة والشيعة من جهة أخرى، مع أن أوروبا تخلصت من صراع الثنائيات والأضداد في مجال الدين والعرق وذلك بعد تجارب مريرة ذهب ضحيتها عشرات الملايين من الأبرياء في الحروب الأوروبية.

والأمر الذي يجب أن يشغلنا جميعًا هو صناعة الوعي لدى العرب والمسلمين وبخاصة فئة الشباب حتى يدركوا حجم التحديات والمخاطر التي يواجهونها ويتسلحوا بالعلم والمعرفة في مواجهة الحملات الخبيثة التي تريد لهذه الأمة ألا تفيق من سباتها العميق وأن ينشغل أبناؤها دومًا بسفاسف الأمور. 

والسؤال الذي يجب أن نجيب عليه هو متى ستطرح أفكار النهوض والتقدم، وقضايا حقوق الإنسان والحريات العامة، وقضايا الاستبداد السياسي، وقضايا المواطنة والمساواة والحقوق الاقتصادية، وقضايا التعليم للنقاش في ظل انشغالنا بمناقشة قضايا هامشية وتافهة وخوضنا لمعارك خاسرة تضيع الجهود ولا تزيد مجتمعاتنا إلا انقسامًا وفرقة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شن تنظيم الدولة الإسلامية سلسلة هجمات غرب محافظة الأنبار، وسقط عشرون قتيلا في المواجهات مع القوات العراقية أغلبهم من التنظيم، بينما أعلنت القوات العراقية استعادة مدينة الحضر الأثرية بمحافظة نينوى.

أعلنت فنزويلا انسحابها من منظمة الدول الأميركية التي تتهمها كراكاس بتشجيع "تدخل دولي" بالشؤون الفنزويلية، في حين ارتفع إلى 29 عدد ضحايا المظاهرات التي تتهم الحكومة بالاستبداد وتطالب بانتخابات مبكرة.

الأكثر قراءة