قرطبة العلم

كثير منا يحلم بالدراسة في إحدى الجامعات الكبرى في أميركا أو أوروبا، ولكن دعوني في هذا المقال القصير آخذكم في جولة قصيرة في المدينة التي كانت يوماً ما مركز العلم والعلماء ومهوى القلوب ودرة الدنيا ، تلك التي كان كل طالب  في العالم يتمنى أن يدرس فيها يوماً، إنها قرطبة، مدينة العلم.

دعونا نبدأ هذه الجولة بضفاف نهر الوادي الكبير الذي يقطع المدينة إلى نصفين، تسير على ضفاف هذا النهر، فترى من بعيد قنطرة الوادي الكبير القديمة التي بناها الوالي السمح بن مالك الخولاني، بعد إذن من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمهما الله-  وتفكر في طريقك إليها؛ كيف ظلت هذه القنطرة العظيمة باقية مشيدة إلى يومنا هذا بعد ألف عام من تشييدها؟ هل السبب هو إخلاص هذين الرجلين الصالحين؟ أم بعض الترميمات القليلة التي جرت عليها عبر السنين؟

فإذا وصلت إلى القنطرة، فانظر يمينك حتى ترى مسجد قرطبة الجامع يقف شامخاً على مرمى البصر، لا تعجب إن رأيت اسمه مكتوبا في وسائل الإرشادات السياحية (المسجد- الكاتدرائية) فقد حوله الإسبان إلى كنيسة كما حدث مع كل إخوانه من مساجد الأندلس.

دعونا الآن نتوجه سوية إلى المسجد العظيم (مسجد قرطبة الجامع)، أول ما يلفت نظرك هو ضخامة البناء وطرازه الإسلامى الفريد الذي ما زالت آثاره باقية حتى الآن، وإن حاول مغتصبوه طمسها.

بعد شراء التذاكر، توجه إلى المدخل الرئيس، إذا لاحظ الحارس عليك ملامح عربية أو إسلامية فسوف يتوجه إليك مسرعاً محذراً إياك من الصلاة داخل أروقة المسجد (لأنه الآن أصبح كنيسة)، إذا استطعت أن تمسك أعصابك وتسكن عضبك فافعل، ففي النهاية هذا حارس بسيط لا ذنب له، إنما الذنب هو ذنب الذين أضاعوا عز الأمة وشرفها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لم أصدق نفسي، هل أنا حقاً في مسجد قرطبة الجامع؟ هل أنا حقاً في المكان الذي تعلم فيه عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء عصره؟ هل أنا حقاً في الجامع الذي كان يصلي فيه صقر قريش.

تبدأ جولتك داخل المسجد بالجزء الذي بناه عبد الرحمن الداخل صقر قريش، وعندها تعرف أن أرض هذا الجزء كانت تابعة لكنيسة قوطية قديمة اشتراها الداخل من سكان المدينة النصارى (بالثمن) ليشيد عليها نواة هذا الصرح العظيم. ولاحظ معى كيف (اشتراها) ولم يغتصبها، وهذا والله هو الفرق بين العدل والجور، والحضارة والهمجية، هذا هو الفرق بين الحق والباطل ولا عزاء.

تجول في أرجاء المسجد الواسعة؛ حيث تبهرك صفوف أعمدة المسجد الكثيرة الشاهقة التي بقى منها اليوم أكثر من 850 عمودا ما زال يحتفظ بشكله الجميل وعمارته الباهرة رغم مرور ما يقرب من ألف سنة.. قف هنا لحظة وتفكر؛ ترى تحت أي هذه الأعمدة كانت تعقد حلق العلم التي كان يدرس فيها الطلبة شتى أنواع العلوم من القرآن والحديث والفقه وأصول العربية إلى الطب والمعمار والفلك والرياضيات والفلسفة؟ تُرى في أي جوانب هذا المسجد الكبير تعلم الفقيه الكبير أبو محمد بن حزم، وفي أي أروقته كتب كتابه المحلى؟ تُرى أين كانت حلقة الطبيب البارع أبو القاسم الزهراوي الذي علم العالم كله فن الجراحة؟

ثم تسرح بخيالك لحظة  فترى مجموعة من الطلبة الفرنسيين يقفون مع ناظر الجامع وهو يخبرهم أنه لا بد لهم من تعلم العربية ليتمكنوا من فهم دروس الجامع، وتلتفت إلى الجهة الأخرى فتجد بعض الطلبة الإنجليز يحملون رسالة من ملكهم إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، يرجوه أن يقبل هؤلاء الطلبة للدراسة في جامع قرطبة موقعاً الرسالة بـ"خادمكم المطيع ملك إنجلترا"، ثم ما تلبث أن تعود للواقع الأليم لتجد أعمدة المسجد وسواريه تئن لغياب ما كان يهز أرجاء هذا الجامع من ذكر لله تعالى ومذاكرة العلم وتصنيف الكتب.

تتجول في أرجاء المسجد حتى تصل إلى أروقته التي غطوها بالصلبان والتماثيل وتتساءل؛ لم وضعوها خلف أقفاص حديدية؟ أخوفا عليها من السرقة أم خوفاً أن تمتد إليها بالأذى أيدي الزوار الغاضبين؟ ولكن ما تستطيع أن تتيقن منه هو أن هذه الرموز الدخيلة وجدت نفسها وقد انتهى بها المطاف إلى كائنات بائسة حبيسة لهذا المجد التليد.

لم أصدق نفسي، هل أنا حقاً  في مسجد قرطبة الجامع؟ هل أنا حقاً في المكان الذي تعلم فيه عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء عصره؟ هل أنا حقاً في الجامع الذي كان يصلي فيه صقر قريش والمنصور بن أبي عامر ويوسف بن تاشفين وأبو يوسف يعقوب المنصور؟

خرجت من باب الخروج وعيني تترقرق من الدمع حزناً على هذا العلم الضائع والمجد الزاهي، ولكني سمعت أحد السياح يقول "انظر إلى الأغبياء كيف أزالوا ما هو فريد ليحلوا مكانه ما هو رخيص في كل مكان"، عندها انشرح صدري وعلمت أن سيرة العلم والمجد لا تنقطع أبداً، وإن حاول طمسها الجهلاء وحاول إبطالها المبطلون، والحمد لله رب العالمين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة