قاسم أمين و"كوباية الشاي"

قمت في وقت مضى بعرض مقتطفات من كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" المنشور في سنة 1899 على صفحتي. سألت الناس تخمين اسم الكاتب والكتاب.. وجاءت الإجابات بأسماء مفكرين يحسبون على الفكر الإسلامي، منهم علي عزت بيجوفيتش والكواكبي وحتى سيد قطب! فلماذا يُرى قاسم أمين على أنه داعٍ الرذيلة والفسوق في أوساط أغلب من نعرفهم من "دعاة الحفاظ على هوية والروح الإسلامية"؟

 

قاسم أمين للأسف ارتكب خطأ تحدي التقاليد وتجاوز العادات العقيمة، وحاول أن يفتح الباب لمراجعات فكرية تخص المرأة في كافة جوانب الحياة. وبحكم ثقافة الحريم التي كانت سائدة حينذاك وبدعم من سلطات الاحتلال الإنجليزي نفسه فإن أي إخلال بالنظام السلطوي الأبوي الدكتاتوري الذي كان سائداً هو إضرار بمصلحة المتسلطين من أصحاب الشأن، سواءً كانوا من جانب الاحتلال الذي أراد للناس البقاء تحت حجر العادات وضعف التطلع، أو الثقافة الأبوية التي كانت ترى في خروج المرأة إلى المجال العام خطورة تهدد مكانة الرجل المسيطرة عليها لا سيما في المدينة على خلاف ما قد يظن البعض.

 

لقد وقع قاسم أمين ضحية لسوء الفهم والجهل واتباع تجار الدين ممن رأوا في حدِيثه ما يقوض سلطاتهم ويكبل أياديهم الممدودة إلى ما ليس من حقهم. وبقية التهمة الكبرى هي تحريض قاسم أمين النساء على خلع الحجاب والانسياق إلى الرذيلة! في حين أن ما نادى إليه الرجل هو العودة بالحجاب إلى الأصل الإسلامي من حدود "إظهار الوجه والكفين" لأن الحجاب عندِها كان يقصد به تغطية الوجه واحتجاب المرأة داخل بيتها عن الرجال والمجال العام بالكلية. وخصوصاً في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" فكل إشرة للحجاب عنده تشير إلى الحجر على النساء في بيوتهن ومنعهن من الخروج للتعلم أو العمل وغيره من الأنشطة الطبيعية.

 

في العام 2017 هاج الناس وماجوا عندما تحدثت صبية مخاطبة النساء قائلة أن المرأة إذا طلب منها زوجها كوباية شاي وهو غير مريض أو متعب فعليها أن ترفض، وذيّلت عبارتها بـ: إسلامك_فيمينيست وأفتخر. النسوية الإسلامية أو الإسلاميك فيمينيزم كحركة فكرية حديثة بدأت مع أواخر القرن التاسع عشر، بالدعوة إلى دخول النساء مجال التفسير القرآني والعمل الفقهي، في أوائل القرن العشرين بدأ الحديث عن حق المرأة في التعليم والعمل والخروج من المنزل، ثم أخذ اهتمام الحركة يتوسع ليناقش قضايا قوانين الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث. اقرؤوا كتب هدى الشعراوي وليلى أحمد وأمينة ودود ومارجو بدران وأسماء لمرابط وغيرهم الكثير.. ابحثوا عن المصطلح باللغة الإنجليزية ستجدون الكثير والكثير للبحث والقراءة.

 

أؤمن بأن غالبية العادات الجائرة في المجتمع تنبع من موروث ممتد من العادات والتقاليد التي كانت تقبل أن تقتل فيه المرأة ابنتها إن شكت في شرفها دون أن يرف لها جفن، ثم يقال لها: عفارم عليك، ست بمية راجل

كان توضيح هذا الخلط هو مشكلتي الأساسية مع تلك الفتاة، لأنها في موضع آخر افترضت لسبب ما أنها أول إسلامك فيمينست. أما محتوى منشورها فلم يتسبب عندي في أي رد فعل، فعلياً انتابني العب والاستغراب الشديد من كم الانتقادات والأصوات المدافعة والداعمة من كلا الفريقين نساءً ورجالاً. الجملة لا تستحق كل هذا الهرج، هي جملة مستفزة بعض الشيء، من صبية يتضح أن الحياة لم تعركها ولم تتعمق في تجاربها العاطفية فأتت بانطباع سطحي قليلاً. ولكن ليس علينا أن نتظاهر وكأن كلمتها هذه هي التي سوف تدمر مجتمعنا المستقر المتجانس. ولكن إحقاقاً للحق فقد توقفت الفتاة عن مناقشة الموضوع المتعلق بالمنشور واستبدلته بمبادرة أسمتها "ساعد مراتك" التي كُتِب وصفها على صفحة الفيسبوك بصورة متواضعة ومختصرة لا تتلاءم والاندفاع والإقدام الذي بدأ به الأمر واللغة العدوانية التي استخدمت.

 

ما هي العلاقة بين قاسم أمين وكوباية الشاي يا أحلام؟

لا أعرف، عندي هذه العادة التي تجعلني أذكر أشياءً بأخرى بطريفة غير منطقية، أو لنقول بمنطق أجهله؟ ولكن لسبب ما تذكرت الرجل وأنا أقرأ كل تلك النقاشات حول عمل المرأة في المنزل، وكمية الفتاوى التي تشاركها الناس في كونه ليس فرضاً وكأننا نراعي الله في كل أمورنا إلا هذه التي سيردعها فيها نص حديث. والغريب في الأمر أن أصحاب الفتاوى هم أنفسهم من يفتون بأن طاعة المرأة لزوجها واجبة، طيب أليست كوباية الشاي من لوازم الطاعة إذاّ؟ كيف تفسرون هذا التناقض؟ أعتقد أننا وصلنا حالة من الضياع يصعب علاجها، تحتاج لعقود من الترميم.

 

سأطيع زوجي عندما يطلب مني أن أجلس في البيت ولا أخرج لأحسن من نفسي بتدريب أو نشاط تطوعي أو عمل، أو لأكمل تعليمي، أو لزيارة صديقة، ولكنني أرفض رفضاً قاطعاً أن أصنع كوباية الشاي وهو جالس بصحته وعافيته. سيقولون لأن الزوج قائم على المرأة ومسؤول عنها فمن حقه أن يطلب ذلك ومن واجباته أن يوفر لها خادمة إن استطاع، طيب هل يمكن للمرأة أن تستبدل حقها في الخادمة بنشاط أو دراسة؟ يعني هي لا تمانع أن تقوم بعمل البيت لكنها تعتصر ألماً لأنها حبيسة أربعة جدران لا جليس ولا صاحب، فهل من حل لهذه القضية يا شيخ؟

 

هنا كانت المشكلة يا صغيرتي، يا من تعتقدين أن استشهادك بنص فتوى أو بعض مواقف السنة سوف يحل المشكلة. الفتاوى في الأمور التي لا يحسمها الدين تخضع للأعراف والعادات والتقاليد والنصوص المتعددة. والتعامل مع تفاصيل الحياة بمنطق لكل حركة فتوى من أكبر مفاسد العصر، تحولنا إلى كائنات روبوتية تتعامل مع الدين بمنطق كتيب التعليمات، لا روح فيه ولا حياة.

 

أؤمن بأن غالبية العادات الجائرة في المجتمع تنبع من موروث ممتد من العادات والتقاليد التي كانت تقبل أن تقتل فيه المرأة ابنتها إن شكت في شرفها دون أن يرف لها جفن، ثم يقال لها: عفارم عليك، ست بمية راجل. نعم وصل غسيل المخ بنا حد أن تكون المرأة هي من تهين وتقتل وتظلم لأن من تنظر إليه أنثى وليس ذكراً. تلك التي توجه أقذع الكلمات والهمزات واللمزات لزوجة ابنها لأنها لم تنجب ذكراً، وتنسهى أنها تهين نفسها، ولكن لا بأس فهي قد تحصلت على وسام الشرف بعد أن أنجبت ذكورها. تلك التي تجبر انبتها على حياة في الجحيم مع زوج عديم الرحمة لأنها أنثى لا قيمة لها دون ذلك الرجل الذي يظلها بظله.. ظل يخنق ويطفئ البهجة.. لا ظل يحجب العناء ويريح السائرين.

 

ما أريد أن أختم به ويشترك فيه حديثي عن قاسم أمين وحديثي عن كوباية الشاي، هو أننا نخطئ عندما نعتقد أن المشاكل التي تواجهها المرأة كجزء من المجتمع تتعلق بالدرجة الأولى بالتربية الدينية، لأنها في الأصل مشكلة مجتمعية. عن نفسي لا أؤمن بالفئوية أياً كان مسماها، أعتقد بأن المرأة هي فرد في المجتمع وعلينا أن نقارب موضوع حقوق المرأة من هذا المنظور، أنها فرد يستحق التحصل على كافة حقوقه. النصوص الإسلامية المنظمة لعلاقة المرأة بزوجها أو وجودها في المجتمع متأثرة إلى درجة كبيرة بالموروث الذكوري المسيطر على تاريخ البشرية وليس على الفكر الإسلامي فقط.

 

لن يجدي ولن يغني من جوع أن نعامل المرأة كضحية بالمطلق ولا أن نعامل الرجل كمجرم بالمطلق، علينا أن نتعامل مع مجتمع يعاني من مرض ينبغي علاجه، والعلاج لا يأتي بتقديم أدوية يحارب بعضها بعضاً في جسم السقيم

اقرؤوا كتاب السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث للغزالي. لمن يريد أن ينظر في نقد من منظور فلسفي لفكرة النسوية فليقرأ مؤلفات الدكتور المسيري رحمه الله في هذا الباب (قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى). إذاّ مشاكل المرأة في المجتمع لها علاقة بتاريخ من الذكورة الطاغية المائلة إلى حب السيطرة وتغذية النزعة السلطوية، القوة تستدعي الإغراء بالظلم والعدوان، ولأن الرجل جسدياً غلب أنه الأقوى فقد امتدت هذه القوة لتتعامل مع المرأة على أنها أقل قيمة وتضاعفت تجليات هذا الأمر لتصل إلى كل جوانب الحياة التي نلمحها فيها، انتقل الأمر من تجبر على أساس تقييم لحظي مادي، إلى تجبر على أساس خلقي له علاقة بكون المرأة أنثى وليس مواصفاتها الشخصية.

 

المطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة فيه ظلم لكلا الطرفين، التكامل هو الحلّ، وتلك هي الفلسفة الإسلامية في الموضوع إن نظرنا إليها بإنصاف، لا القوامة التي انتقلت من قوامة مقيدة بظروف وتحديدات إلى قوامة مستبدة تلتهم كيان المرأة وتنفيها. أما تفاصيل التكامل فتخضع لظروف العلاقة بين المرأة والرجل ووضع المجتمع وما يخدم صحته دون الجور على جانب دون الآخر. وعندما أقول المجتمع مسؤول فأنا أعني الرجال والنساء، لا ليس لأن النساء يقبلن الظلم فيساعدن الظالم فقط، بل أنهم يربين رجالاً غير أسوياء، ينقلن إليهم الأمراض التي حملنها، ويشاركن في ترسيخ المنظومة الفاسدة بدعمها، انظروا فقط إلى الطريقة التي تعامل النساء بعضهن، وقد تحدثت عن شيء من هذا في مدونتي السابقة.

 

لن يجدي ولن يغني من جوع أن نعامل المرأة كضحية بالمطلق ولا أن نعامل الرجل كمجرم بالمطلق، علينا أن نتعامل مع مجتمع يعاني من مرض ينبغي علاجه، والعلاج لا يأتي بتقديم أدوية يحارب بعضها بعضاً في جسم السقيم تلتهمه من الداخل فلا يبقى منه شيء يعيش بعد انتهاء المعركة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة