شجرة الخلود

لقد خلق الله الإنسان وبداخله إرادة قوية ومحبة عارمة للخلود والبقاء، ولولا ذاك لما استطاع الشيطان اللعين استدراج الأبوين، اذ أغراهما بشجرة الخلد.
 
لكن المقام الذي ارتضاه الخالق لعباده في هذه الدنيا محدود بأجل لم يكن لهم لا اختيار ولا علم بمدته، وقد يبقى الإنسان بين أهله وذويه ستة أو سبعة عقود أو يزيد لكن ما إن يوارى الثرى حتى ينسى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، وقد ينساه أقرب الناس ولايذكرونه إلا نادرا، بل قد يسارع أحدنا ليخلف من مات من الأزواج ويسد مكانه ويمحى أثره.

وهكذا اقتضت ضرورة العيش في هذه الدار أرحام تدفع وأرض تبلع، فأنى للإنسان أن يستطيع أو حتى يفكر في الخلود وهو يرى ويعيش هذه الحقيقة، ويرى الناس ينشلون ويختطفون وأحيانا في زهرة شبابهم وقد اعدوا عدتهم ليعيشوا حدثا مهما في حياتهم.
 

انقسم الخالدون إلى مرحومين وملعونين، وبإمكان أي واحد منا أن ينضم إلى الفئات شاء فلنسارع ولنبحث تمثالا لنا..

تلك هي القاعدة التي لا تميز بين بني البشر على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم ومستوياتهم الإجتماعية
لكننا في مقابل ما نسينا ولن يمحى أثر بعض بني البشر ولن يطوي الزمن ذكراهم ولن ينسي الأمد ولو طال أفعالهم وكانوا فعلا خالدين، ولو لم تستثنيهم قاعدة الفناء فهم أحياء بيننا ولو واريناهم التراب وتبددت أجسامهم، فلا يكاد يمضي علينا يوم بل ساعة إلا و هم حاضرون بما قدموا من أعمال ومنجزات، ومانطقوا من حكم ونصائح، وما سطروا من كتب فهم خالدون ولو ماتوا وباقون ولو رحلوا، وحاضرون ولو غابوا، وكأن حكمة الخلق ما بثت فينا حب الخلود إلا لتحملنا على العمل والإنجاز وتنهضنا لكي نمد في أعمارنا، ونحث تمثالا لنا لا تهدمه السنون ولن تزهم الأفات والشهور.

 
ويزيد الوازع الأخلاقي ويزيد الأمر بيانا ويجلي لنا فكرة الخلود وحقيقة البقاء أنه نوعان، خلود الملعونين الذين خلفوا الشرور وتركوا المحن والويلات ومازلت تلاحقهم لعنات اللاعنين، وخلود المرحومين الذين تَرَكُوا الخير وخلفوا السعادة ولن يستطيع أحدنا ألا يقف إجلالا واحتراما ويفيض لسانه و يلهج بالثناء عليهم على اختلاف مشاربهم.

فأنى قلبت نظرك إلا ووجدت خالدا من الخالدين محروما أو ملعونا، فانقسم الناس إلى طائفتين ميتون وخالدون، وانقسم الخالدون إلى مرحومين وملعونين، وبإمكان أي واحد منا أن ينضم إلى الفئات شاء
فلنسارع ولنبحث تمثالا لنا، ولنسجل اسماءنا في سجل الخالدين، ولنحاول أن نترك ما ينزل علينا من الرحمات ولنحذر أن ترجم تماثلنا كما رجمت العرب قبر إبي رغال، نجد من ضمن الخالدين أولئك الذين لم يفعلوا أكثر من أن سبقوا إلى فعل كان بمقدور الجميع فعله لكنهم بدأوا، ولحقهم وتمثل بهم الناس فدام صنيعهم و خلدوا بذاك ذكرهم إذا اشترك الفعل مع الإسم فنسب إلى الفعل الأخرين إليهم فمدح بعضهم بصنيع غيرهم.

ودم البعض الأخر بجرم سواهم، وفئة أخرى من الخالدين لم تنجز أكثر من أن خلفت ذرية وتركت أبناء استجلب بعضهم لأبائهم الرحمات بنبل صنيعهم، واستمطر الأخرون لأبائهم اللعنات بقبيح جرمهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أكدت اللجنة الإعلامية لإضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أن تدهورا طرأ صباح الاثنين على الوضع الصحي لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح القيادي الأسير مروان البرغوثي.

الأكثر قراءة