سآخذُ من حجابي يومَ إجازة

من حق جميع الموظفين في هذا الكوكب العادل أن يأخذوا إجازةً من القيام بواجباتهم ليومٍ ما، مع استمرارِ استحقاقهم لأجورهم كاملةً، ولهذا.. بعد تفكيرٍ عميقٍ بحقيقةِ أنّ الحجابَ فرضٌ مأمورٌ عليّ، وأن ارتداءه واجبٌ لا نقاشَ فيه، قرّرتُ أنّه من حقي أن آخذ يومَ إجازة.. فهذا الكون وهذه القوانين الدُّنيوية لن تكون أكثر عدلاً من حُكمِ الله وأنّه -تعالى- لا بد أن يكتب لي الأجر في يوم إجازتي هذا، فأنا لم أتخلف عنه لأنّي لا أؤمن بوجوب ارتدائه، ولم أنزعه إلا لشعوري أنّي أريد أن أرتاح من واجبي هذا ليوم واحد على الأقل..

كنتُ أمشي بعزّة الإسلام، مفتخرةً أنّي مسلمة وأنّ ما يميزني بهويّتي للشارع العام هو هذا الحجاب، أمّا الآن فكيف سيعرفون أني مسلمة؟

تفكيري في الأمر، واتخاذي لقراري لم يكن بتلك الصعوبة.. فردتُ شعري، ووضعتُ زينتي، وخرجتُ برجلي اليمين من المنزل وقلتُ دعاء الخروج! لا تستغرب مني، فأنا ما زلت مؤمنة، وما زلت أتذكر أن الله معي وأنه يراني، ولكن..  بينما رجلي اليمنى في الخارج، واليسرى في الداخل.. مرّت أمامي مواقف ستصيبني، وخطرت ببالي أفكارٌ سريعة متلاحقة جعلتني أرتعش في مكاني؛ وأنا بحجابي.. كنتُ أصدُّ سهامَ العيون المنطلقة نحوي، أما الآن فمن سيصدّها عنّي؟

كنتُ أمشي بعزّة الإسلام، مفتخرةً أنّي مسلمة وأنّ ما يميزني بهويّتي للشارع العام هو هذا الحجاب، أمّا الآن فكيف سيعرفون أني مسلمة؟ إذا رآني شخصٌ غير مسلم على وشك الدخول في الإسلام، يبحث عن أي دليلٍ يسأله عن هذا الدين، هل سيوقفني ليسألني؟ حقيقةً، إنّه لن يميز كوْني مسلمة، وسأخسر فرصة عظيمة بنشر كلمة خيّرة عن ديني. 

كان الحجاب من قبلُ يحكمني في تصرّفاتي؛ طريقة مشيي، وكلامي، وكل الأمور التي اعتدتُ على الاعتقاد بأنّ الإخلال بها يخلّ في صورة الحجاب الذي أرتدي، أما الآن.. من سيحكمني؟ من سيحسّن من تصرّفي اللّامبالي؟ ومن سيذكّرني بِفروضي، وأدعية حِفظي، وبوجوبِ غضّ بصري؟

كنتٌ أعتقد أن الحجاب غطاءٌ للرأس والجسد، ولكنّي أدرك الآن أنه أعمق من ذلك.. الحجابُ غطاءٌ لنفسي الأمّارة بالسوء، غطاءٌ لعيون الآخرين التي تمسّ حيائي بسوء

اعتقدتُ سابقاً أنّه بمقدور الفتاة أن تخرج بلا حجاب، وأن تتزيّن كما تشاء ومع ذلك تبقى في نفس الوقت منضبطة الخُلُق والتصرّف، محفوفةً بنظرات الاحترام والتنزيه، ولكني خِفت الآن..  الحجاب، كان يجعل من كل تلك الأشياء سهلة، مريحة، لم يجعلني حتى أفكر في كيفية القيام بها، أما الآن فمُذَكّري ذهب، وحاكمي اللطيف اختفى، وبقيتُ وحدي، أحاول جاهدةً الحفاظ على كل هذا وحدي.. فأنا لم أنزع حجابي لرغبتي بأن ألفت أحداً ولم أنزعه أيضاً لأنّي أرددتُ التحرّر مما كان يحكمني به، فأنا أعلم أنّ الله يريدُ مني كلّ هذا سواء ارتديتُ حجاباً أم لا، ولم أنزعه كذلك لأنّي لم أعد أؤمن بواجبيّته علي، أنا فقط أريد أن أتخلّص من شعور الحَرّ، وأن أزيد ثقتي بنفسي بإظهار جمالي المختبئ، أريد أن أشعر بالمزيد من الحرية..  ولكن تأثير غيابه عني، كان سيجعلني إنسانة غير راضية عن نفسي بكثيرٍ من الجوانب.. 
 

كنتٌ أعتقد أن الحجاب غطاءٌ للرأس والجسد، ولكنّي أدرك الآن أنه أعمق من ذلك..  الحجابُ غطاءٌ لنفسي الأمّارة بالسوء، غطاءٌ لعيون الآخرين التي تمسّ حيائي بسوء، غطاءٌ لشعوري الضعيف بأني بلا الإسلام لا أعني شيئاً، غطاءٌ لشعوري بالحياء المفرط إن أماتني الله وبعثني على شاكلتي من غير حجاب في مكاني، غطاءٌ لخوْفي من نسيان فرضِ صلاتي، وبرّي بوالدتي، وشروط حيائي.  علمتُ الآن أنّ من تخرج من غير حجاب وتصلي في نفس الوقت، تعاني أكثر مني.. فالحجاب الذي وُجِد لتسهيل كل المهمات الأخرى، غائب عنها.

وأنا.. لن أكونَ بذلك الغباء لأقرّر أن أنزعه ولو لبضع دقائق بمحضِ إرادتي بعد تجربتي لحُلوٍ صُحبتِهِ، محاولةً تجربةَ شيءٍ جديد، معتقدةً أنّ حياتي ستصبح حرّة أكثر.. هراءٌ كل هذا، أنا من غير حجاب أجعل من حياتي صعبة، ومن كل التزام.. قابلية للضياع، ومن كل فرضٍ.. قابلية للنسيان.. 

لن أصعّب على نفسي الأمر، فالله عندما أمرني به أراد بيَ اليُسر ولم يرد بيَ العُسر، ويومَ الإجازة الذي اعتقدت أنه حقٌّ لي، وأن الله سيوفّيني أجري حتى وإن لم أرتدي حجابي فيه.. لم أعُد أريدُه. أرجعتُ رجلي اليمنى للداخل، عدتُ أدراجي، وذهبت أبحث عن حجابي، عارفةً أنّي لن أحتاج يومَ إجازة، فحياتي مع حجابي وبه كلُّها إجازة.. إجازة جميلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال كاتب بصحيفة وول ستريت جورنال إن رئاسة ترمب ربما تكون بشيرا بنظام سياسي جديد بالبلاد، وذكرت الصحيفة أن ترمب لا يخشى الإعلام، وأنه لقن "سي أن أن" درسا قاسيا.

الأكثر قراءة