ذاكرتنا الافتراضية

بين ما يتذكرنا و نتناساه، ذاكرة الفايسبوك ذاكرتنا الحديثة. عند الاستيقاظ صباحا نطل على هذا العالم لقراءة التفاهات المبعثرة على الصفحات، لمشاهدة مقاطع بعضها يفيد ذهنك و بعضها يفسد لحظتك، لمعرفة هل العالم مازال يسير بسرعته الجنونية نحو الدمار؟ للتأكد من أن شهرة المشهورين ما تزال في نمو، لملاحظة تطور كمية الهراء، للنظر إلى الحروب الصغيرة و الكبيرة التي تكبر، للإطمئنان على أن الحياة ما هي إلا عبث.

لكن مع خاصية التذكير التي يمن بها علينا الفايسبوك، نتذكر ما نريده و ما لا نريده. يذكرنا بلحظات جمعتنا مع أشخاص أحبونا كما أحببناهم، بتدوينات كتبناها في غمرة فرح، بأماكن ذهبنا إليها بأرواحنا قبل أن نذهب إليها بأرجلنا، بمشاركات شاركناها لأنها استحقت، بعدد السنوات التي مرت منذ صرنا أصدقاء مع أناس صاروا أقرب إلينا من أنفسنا، بصور لطفولة كبرت بفعل ركض الزمن، لأسماء أفلام شاهدناها في لحظة ضجر، لاقتباسات حفظناها بسبب التجربة التي أكدتها، لأفكار عن الحب و الحياة و الوجود صارت أكثر نسبية، لساعات اعتقدنا أن أحدهم يفكر فينا، لاحتفالات كانت كما أحببنا، لفنجان قهوة شربناها منتظرين.


هنا نجد خاصية في مثل هذا اليوم على حسابنا الفايسبوكي لتعمل إلى جانبها، لتغريها بالعودة إلى مناطق ظننا أن الطريق إليها قد قُطع، من أجل اعترافنا بأننا هم نحن ولو تغيرت الألوان التي صرنا نلبس، ولو عمت الفوضى عقلنا، ولو تقدمنا في العمر، ولو قلت حماستنا للحياة.

دون اعتبار لتناسينا، تذكرنا أيضا بالذكريات البئيسة التي ألصقناها بجدراننا . ذكرى فراق أحدهم غادر هذا العالم و لن يعود إليه مجددا، ذكرى حقائق صارت أكاذيب صادقة، ذكرى ليلة حزينة كانت قاسية، ذكرى حدث هز فيك أسوأ المشاعر، ذكرى بداية قصة تعرف أنها لن تبدأ مرة أخرى، ذكرى وجه ما عاد يدري عنك، ذكرى عبارات كتبتها ذات غضب أخرق، ذكرى وعكة مرت ثقيلة، ذكرى أشخاص كانوا عقابا، ذكرى كلمات محبطة، ذكرى بيوت لم نزل نسكنها، ذكرى عادات اشتقناها.

هذه الذاكرة الافتراضية تلبس الشكلين، النعمة و النقمة. الأولى لأنها جميلة حين تستجدي ذاكرتنا الحقيقية للبحث عن تفاصيل عبرنا بها و ظلت تنتظر فرصا للإطلال على حالنا الآني و كيف غيرتنا الحياة إلى الآن، الثانية لأنها تعبث بذاكرتنا الحقيقية لتذهب حيث تركنا الألم و الحزن و الظلم و كل ما عرفنا كيف نتجاوزه و كل ما نتناساه لأجل البقاء أحياء بحال أفضل قريبا من كلمة بخير.

ذاكراتنا حية و يقظة، بما يكفي لتذكيرنا بأننا لن نفقدها و لو سعينا. هنا نجد خاصية في مثل هذا اليوم على حسابنا الفايسبوكي لتعمل إلى جانبها، لتغريها بالعودة إلى مناطق ظننا أن الطريق إليها قد قُطع، من أجل اعترافنا بأننا هم نحن و لو تغيرت الألوان التي صرنا نلبس، و لو قصرنا من طول شعرنا، و لو زاد وزننا، و لو غيرنا غرفنا و لو عمت الفوضى عقلنا، و لو تقدمنا في العشرينيات و لو بدلنا حب الشاي بحب البن و لو أخطأنا و سهرنا أكثر و لو قلت حماستنا للحياة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة