حين يُنْكِرُكَ بعضُك. من ذكريات السجن

في السجن كل شيء يكاد يكون مختلفًا، لا الشوق يشبه الشوق، ولا الألم يشبه الألم، ولا الغياب يشبه الغياب، ولا الفرح يشبه الفرح، حيث يتحول الأسير إلى كتلة من المشاعر المرهفة والأحاسيس المُشْرعة والأشواق المتعاظمة لكل شيء تركه خلف بوابة السجن المُحْكمة.

علمت مساء أن الأهل سيأتون لزيارتي بعد غياب طويل، حيث انتقلت من سجن النقب إلى سجن عوفر، لم تكن الزيارة عادية رغم سنوات سجني التي بلغت الخمس مجتمعة، حيث زرت خلالها الكثير من الزيارات، لكن هذه الزيارة تختلف في كل شيء، بت ليلتها وأنا أحاول تخيل المشهد، كيف سألتقيها، وكيف سأعرفها من بين الجموع، كيف سأميز ملامحها وأنا لم أرها منذ ميلادها؟ فـ"يمان" ابنتي التي ولدت بعد اعتقالي بثلاثة شهور ونصف – علمت بميلادها بعد شهر من مجيئها لهذا الوجود- ستأتي لزيارتي أول مرة، حيث صار عمرها خمسة عشر شهرًا، حاولت أن أحشد كل طاقتي في التخيل، لكني لم أنجح في رسم المشهد، تنتابني مشاعر متداخلة، بين قلق وشوق وحنين لشيء مني لم أره من قبل سوى صورة لها في أيامها الأولى لا تشي بما هي عليه الآن.

كنت طيلة النهار وحتى قبيل منتصف الليل في انشغال، ثم لما أويت إلى فراشي هجمت عليّ تلك المشاعر التي لم تغادرني طيلة الليل وحتى موعد الزيارة، في الصباح تأنقت بالمتاح القليل كأني ذاهب لأجمل لقاء، كانت اللحظات تمر بطيئة بطيئة، وكأنها تحفر في جدران روحي طريقها إلى هناك.

بنيتي حبيبتي: رفقاً بأبيك، رفقاً بهذا القلب الذي تسكنين، فما غبتُ عنكِ بإرادتي، كم كنت أتمنى أن أكون أول من تُبصرين من الدنيا، وأول من تسمعين آذاناً عُلْوياً يرسم لك الطريق.

مشينا في المسرب الموصل لمكان الزيارة مكبلي الأيدي والأرجل، اقتربنا كثيرًا من المكان، رغم قصر المسافة كنت أحس بحاجتي للإسراع أكثر، وصلنا مكان الزيارة واتخذ كل أسير مكانه حيث أهله، بدأت أبحث عن يمان وأنا أشعر بأمواج قلبي ترتفع في وجه اللحظات الطويلة التي فصلتني عن رؤية زوجتي وأبنائي يلوحون لي من خلف الزجاج، وفي لحظة سريعة مررت على وجوههم كي ألتقط نظرتي الأولى ليمان، عرفتها حيث توقف فيّ كل شيء حينها، غالبت دموعي وهي تكاد تفر، وأنا أردّها بابتساماتي التي أوزعها حلوى على الحضور.

حاولت أن ألفت انتباه يمان، لكني لم أفلح، واصلت الزيارة وقد أجلت لحظاتي الأجمل لآخر عشر دقائق حيث يدخل الأطفال إلى آبائهم في غرفة الزيارة كإنجاز حققه الأسرى بنضالاتهم المتراكمة، كنت قد أحضرت معي بعض الهدايا من (كنتين السجن) كما يفعل الأسرى، جاءت اللحظة التي انتظرتُها طويلًا، ذهبت لأستقبل بعضي عند الباب، دخلت يمان وبلا شعور ضممتها إلي وغبت قليلًا عن المكان، أفقت من سكرة اللحظة وهي تبكي وتُبعدني عنها بيديها الناعمتين، قبلتُها وهي تصرخ وتصدني، حدثتها قدمت لها الهدايا ودموعي تغالبني، لكنها استمرت في البكاء وهي تحاول إبعادي عنها أكثر، أجلستُها بجانبي، لكنها رفضت، وأخذت تتنقل بين زملائي الأسرى وهي تبتسم لهم وتضحك بعد أن هدأت موجات غضبها وبكائها، ولكن كلما اقتربت منها تبكي وتبتعد من جديد، ما أقسى هذا المشهد، تتقاذفني أمواج قلبي وأنا أحاول جمع شظايا روحي التي نثرتها دمعاتها الموجعة.

يبدو أن السجن أقسى شكل من أشكال العقاب التي اخترعها الإنسان، لكني لم أكن أعلم أنه بهذه القسوة الموحشة، حين ينكرك بعضُك الذي يحتل قلبَك ويتخلل روحَك، حشدت كل طاقتي في افتعال الفرح، وملأت المكان بابتساماتي الحزينة حتى انتهت الزيارة وعدت لخيمتي، حيث وجدتُني أكتب رسالتي الأولى ليمان التي أنكرتني في أول لقاء بيننا، هي تبلغ اليوم ثماني سنوات قلت فيها بكل بساطة وتلقائية وكأني أخاطبها شابة:

(يمانُ يا مهجة قلبي ونبضَ روحي وتراتيلَ فؤادي، أدرك أنكِ لم تتعرفي عليّ، حاولتُ معك دون جدوى، فما تَعَوَّدْتِ وجودي بينكم، أبصرتِ الحياةَ في غيابي، وفتشتِ بين الحضور فلم تجديني، انتظرتِني فلم أحضر، تأخرتُ في رحلتي رغماً عني. أعذركِ يا نور عيني، فما كنتُ أعلم كيف يُنكر القلبُ نفسه، أو كيف تُنكر الروحُ الجسد، أو كيف تُنكر العينُ نورَها إلا حين حاولتُ أن أضمّك يا حبيبتي فلم تتقبليني، قاسيةٌ تلك اللحظاتِ مؤلمة موجعة، عميقٌ جرحُها في النفس، لكنه الثمن؛ ثمن الطريق الذي سلكناه وارتضيناه.

بنيتي حبيبتي: رفقاً بأبيك، رفقاً بهذا القلب الذي تسكنين، فما غبتُ عنكِ بإرادتي، كم كنت أتمنى أن أكون أول من تُبصرين من الدنيا، وأول من تسمعين آذاناً عُلْوياً يرسم لك الطريق، لكني يا مهجتي أرحل عنك كي أحبك أكثر، ولعلي أصنع لك عزاً ومجداً، وأشقّ لك ولإخوتك وللسائرين طريقاً نحو الحرية، ولأنصب لكم شارات على الطريق؛ فحياة العزة لها ثمن، وطريق المجد ليست بالمجان.

نحن يا مهجتي لا نقبل أن نحيا بلا هدف، نأكل ونشرب ونلهو وننام في دوامة قاتلة لا تليق ببشر، تُحيل صاحبَها إلى ذليلٍ عاجزٍ يهادن الباطلَ، ويموت ألفَ مرة خوفاً من الموت.

بنيتي حبيبتي: ربما كان بإمكاني أن أكون بينكم، لا أغيب عنكم، بلا سجن ولا معاناة، وحياة خالية من المحن، وسِلْم مع الظلام، وأحلام وأيام بلا تعب، ربما كان بإمكاني ذلك أو أكثر لو لم أخترْ طريق الحرية، لكن كيف سيكون لون تلك الأيام لو لم نخترْ هذا الطريق؟ كيف سننظر لأنفسنا؟ وكيف ستنظرين وإخوتك لأبيكم إذ الظالمون يحرقون خضرة الطريق من حولنا، ويقتلعون شجرة الحياة من أرضنا، ويجففون نبع مائنا، ويخرقون الأرض تحت أقصانا، أي رجولة حينها ستبقى؟ وأي حياة تلك التي يُطبق عليها الظلام، ويحجب عنها الشمس، وأي لقمة عيش وشربة ماء تلك المغمسة بالذل؟

أنا يا بنيتي الحبيبة ما قبلت ذلك، وها أنا أوقد شمعتي أضمها لشموع تكاد تملأ الأفق؛ كي تكسر عتمة الليل، وتبشر بغدٍ قادمٍ قريب مشرقٍ بهيًّ يطرد الظلام وينشر الضياء؛ فتشرق الشمسُ ويرحل الغراب عن أرضنا، فتخضر وتربو.

نحن يا مهجتي لا نقبل أن نحيا بلا هدف، نأكل ونشرب ونلهو وننام في دوامة قاتلة لا تليق ببشر، تُحيل صاحبَها إلى ذليلٍ عاجزٍ يهادن الباطلَ، ويموت ألفَ مرة خوفاً من الموت. بل نحن يا حبيبتي نَكْبُرُ ونسموا مع علوّ غاياتنا وأهدافنا،فتغدو حياتنا ممتدة بامتداد أهدافنا وفكرتنا، جذورها ضاربة في الأرض عمقاً، وأغصانها تمتد في السماء علوّاً وارتفاعاً. فاعذريني على الغياب يا ابنتي، وحين تكبرين ستدركين ما أقول، لكن ارفقي بأبيك يا مهجة القلب)

يمان اليوم بلغت الثامنة من عمرها، متعلقة بأبيها، تحفظ شعرَه وتتلوه بصوتها العذب الرخيم، لكنها لم تقرأ رسالته إليها بعد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة