بين مكاتيب الماضي ومسجات اليوم

لا أدري ما سرّ تلك اللهفة التي نشعر بها عندما تسمع أذننا صوت وصول رسالة نصيّة إلى هاتفنا، لمَ يعتريها الفضول قبل إمساك الهاتف لنعلم من المرسل، وما هو محتوى الرّسالة؟ لا بدّ أن خاصيّة ظهور جزء من الرسالة على شاشة الهاتف فور وصولها قبل ظهورها كاملة كانت للتسهيل علينا وتخفيف عناء التخمين عن نفوسنا التي لا تطيق الانتظار مهما كان قصيرًا.
 

أؤمن أنّنا فقدنا الكثير من المتع المعنوية مع تطوّر العالم من حولنا، فمن المؤكد أنّ الَّذِين لم يعيشوا في زمن مواقع التّواصل الاجتماعي ونخرها اللامعقول في حياتنا، كانوا يستمتعون بكتابة بوحهم لبعضهم البعض على الورق، لا بدّ من وجود لذّة يشعر بها المرء وهو يخطّ أفكاره ومشاعره وعواطفه ويخلّدها على ورقة ما مستعينًا بالقلم، ثم يرسلها لمن يريد، فتكون هي النسخة الوحيدة في هذا العالم الّتي لن يحصل على نسخة مطابقةٍ لها أبدًا حتى لو أعاد كتابتها مرّة أخرى.. كم كان الشخص الَّذِي يقرأ رسالة ورقية موجهة له -مهما كان محتواها-يشعر بالتميّز! 

عندما تنقر أصابعنا على الحروف على أجهزتنا، ونرسل رسالة ما، وتظهر لنا فجأة إشارة تدل على عدم إتمام إرسال الرسالة لضعف في الشبكة ربّما أو لأيّ سبب آخر نفقد أعصابنا ونحاول تغيير مكاننا، نحاول فعل أيّ شَيْءٍ على الرغم من علمنا أن هذه المشكلة لحظية وسريعة ولن يتطلب الحلّ إِلَّا بضع دقائق أو ثوانٍ معدودة حتى نسمع تلك النغمة السريعة الّتي تطمئن قلوبنا بوصول رسالتنا.. 
 

متيقنّة جدًّا.. أنّه عندما تمسك ورقةً ما بين يديك، وتسمع صوتها وهي تكشف عمّا فيها بعد أن تفتح طيّاتها التّي عليها بصمات مرسلها، ثم تطالع كلماتها سطرًا سطرًا هائمًا برسم الحروف وجمال ترتيبها على السطور، أجمل آلاف المرّات من أن تقرأ رسالةً على الهاتف

تُرى، ماذا كان يشعر مرسلو الرسائل في الماضي، عندما كانت تستغرق رسائلهم أسابيع وأشهر حتى تصل لمن يريدون، ولا يعلمون بوصولها إِلَّا إذا حصلوا على الردّ من الشخص المُرسَل إليه، وقد يصل غالبًا بعد فترة مماثلة قاتلة، حتّى وإن كان الشعور مؤلمًا إِلَّا أننا لا نستطيع أن ننكر أننا قد فقدنا الشّعور بهذا الألم المقرون بالأمل والترقب، فقدنا الشّعور بأن يطول تفكيرنا هل وصلت الرسالة أم لا!  فالمجد كل المجد لأصحاب المراسيل في العقود الماضية على تحملهم بركان المشاعر المختلطة الذي كان يداهم أرواحهم بصمت في كلّ مرّة يرسلون رسالة لأحدٍ ما! 

حتّى عندما نريد أن نحذف بوْحًا ما قد أُرسل لنا، نكتفي بتحديده ثم نحذفه بسهولة بكبسة واحدة، وبعدها ينتهي كلّ شيء، أمّا في الماضي فقد كانوا يمزقون الورقة وتتفتت الجمل والكلمات أمامهم، ترافقها الخيبات والآلام.  أو كانوا ينتشون برؤية الورقة وهي تتزيّن باللون البرتقالي لثوان معدودة ثم تتضاءل بسرعة مخلّفة رمادًا أسودًا يخفي بين فتاته الكثير من الكلمات! 

متيقنّة جدًّا.. أنّه عندما تمسك ورقةً ما بين يديك، وتسمع صوتها وهي تكشف عمّا فيها بعد أن تفتح طيّاتها التّي عليها بصمات مرسلها، ثم تطالع كلماتها سطرًا سطرًا هائمًا برسم الحروف وجمال ترتيبها على السطور، أجمل آلاف المرّات من أن تقرأ رسالةً بالخطّ نفسه الَّذِي تطالع به الرسائل الدعائية والإعلانات! 

لا زال بإمكاننا أن نعيد هذه المتعة إلى أرواحنا، بأن نستغني مرّة عن استخدام النقر على الشاشات للكتابة، ونستبدله بكتابة رسائلنا على ورقة، فنشعر أن كلّ حرف نكتبه ونخطّه يحمل بين زواياه التي شكلتها أيدينا الكثير من الحبّ

أقدّر الكم الهائل من الوقت والجهد الَّذِي خفّفته علينا الرسائل الإلكترونية والنّصية، إِلَّا أنّها أفقدتنا الكثير من الفضول والترقّب، أفقدتنا الكثير من المشاعر والانفعالات الدّاخليّة التي كان جميلًا لو عشناها كما عاشها آباؤنا وأجدادنا في الماضي. بتنا الآن نطالع الرسائل في كلّ وقت وفي كلّ مكان، في المطبخ، في الجامعة، في السّوق أو من الممكن الآن أيًّا كان موقعك تصلك بعض الإشعارات تُعْلمك بوصول بعض الرسائل على هاتفك وأنت تقرأ هذه التّدوينة، دون أن تشعر بالكثير من المشاعر الّتي كنت ستشعر بها لو كانت تلك الرسائل على ورقة لها طقوسٌ وأوقات خاصّة لقراءتها! 

لا زال بإمكاننا أن نعيد هذه المتعة إلى أرواحنا، بأن نستغني مرّة عن استخدام النقر على الشاشات للكتابة، ونستبدله بكتابة رسائلنا على ورقة، فنشعر أن كلّ حرف نكتبه ونخطّه يحمل بين زواياه التي شكلتها أيدينا الكثير من الحبّ، فيكون رسم الكلمات مغازِلًا ومعبّرًا قبل معناها، ويكون ترتيب السطور مليئًا بالشوق والحنين الذي فاضت به أرواحنا..  جرّبوا أن تستعيدوا بعضًا من المتع التي فقدناها، وليكن بوحكم القادم على ورقة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

نقل الأسير الفلسطيني عمر إدريس رسالة من الأسرى المضربين عن الطعام بسجن النقب الصحراوي جنوب فلسطين المحتلة، إلى الشعب والقيادة الفلسطينية وطالب بالتحرك العاجل لتقصير عمر إضرابهم والضغط لتحقيق مطالبهم.

شن تنظيم الدولة الإسلامية سلسلة هجمات غرب محافظة الأنبار، وسقط عشرون قتيلا في المواجهات مع القوات العراقية أغلبهم من التنظيم، بينما أعلنت القوات العراقية استعادة مدينة الحضر الأثرية بمحافظة نينوى.

أعلنت فنزويلا انسحابها من منظمة الدول الأميركية التي تتهمها كراكاس بتشجيع "تدخل دولي" بالشؤون الفنزويلية، في حين ارتفع إلى 29 عدد ضحايا المظاهرات التي تتهم الحكومة بالاستبداد وتطالب بانتخابات مبكرة.

الأكثر قراءة