الغليون العثماني

تعتبر السنوات الممتدة بين أعوام 1650-1750 ذروة الصراع بين الشرق والغرب المتمثل بالدولة العثمانية من جهة وأوروبا من جهة أخرى، ومع أن الحروب والمعارك كانت سجالاً بين الطرفين إلا أن الدور العثماني بدأ بالانحسار والأفول والتراجع. وأخذت مكاسب الفتوحات القديمة تسقط خلف انكسارات عسكرية متتالية.

في خضم هذا الانكسار العسكري والسياسي كان النصر حليف العثمانيين في الساحة الثقافية. فهذه الفترة تعتبر مرحلة تقليد الغرب للعثمانيين من كل النواحي الثقافية، ومع أن التقليد اقتصر على النخبة الأوروبية من نبلاء وأرستقراطيين ، إلا أن العامة أيضا دخلوا في هذه الحالة الهيستيرية من تقليد العثمانيين في الشعر والقصص.

الموسيقى والعود، اللباس العثماني والتربان والطعام والقهوة، حتى الستائر والنقوش العثمانية كانت حاضرة بقوة في كل القصور الأوروبية. إلا أن هذه المرحلة لم يتم دراستها في بلادنا وتركيا أيضا واقتصرت الكتب والدراسات على الأحداث السياسية والعسكرية، بعكس المصادر الغربية التي تعج بمئات المراجع في توثيق هذا التصرف المجتمعي مثل كتاب "تأثير العثمانية بالغرب" للمؤرخ باول كولز.

رَسمت ابنة ملك فرنسا نفسها وهي مرتدية الزي العثماني ومُمسكة بغليون طويل أثناء حُمّى تقليد العثمانيين على غرار ماري وزوجها ورتلي مونتيغ السفير الانجليزي.

سنتناول في هذا المقال أحد مظاهر التقليد الغربي للشرق وهو الغليون العثماني كيف نشأ وامتد حتى أصبح مظهرا للبذخ في القصور الغربية. دخل الدخان البلاد العثمانية عام 1601، ورغم كل وسائل التحريم إلا أنه انتشر في البلاد سريعا كسائر أوروبا. تقول بعض الروايات أن هذه العادة أدخلها التجار الإنجليز والبعض يرميها على الهولنديين، لكن المتفق عليه أنها زمن السلطان أحمد الأول.

يقول المؤرخ إبراهيم بجوي الذي عاصر دخول الدخان، أنهم-المدخنين- يلوثون الهواء، ويجعلون الأسواق منتنة وتتوافق نظرة بجوي هذه مع الفتوى التي أصدرها مفتي اسطنبول عام 1633 بأمر السلطان مراد الرابع بتحريم ومعاقبة من ضبط يدخن. ورغم كل محاولات هذا السلطان المتطرفة في محاربة التدخين إلا أن النصر كان للتبغ رفيق الشارع والمقاهي في نهاية المطاف، ففي عام 1647 صدرت فتوى تلغي سابقتها واكتفت بكراهية التدخين.

مع نهاية القرن الثامن عشر، لم يكن التبغ أحد أهم الصادرات والمستهلكات الأساسية، بل أصبح أحد أهم الوسائل الأساسية لمنح المكانة والاعتبار. اعتبر الغليون العثماني الوسيلة الأهم والوحيدة ربما في احتساء بعض التبغ والطريقة الرسمية في تناول الدخان، كما كان مصدر الفخر والهيبة والرقي في احتساء التبغ ضمن جلسات خاصة.

بعد ان أصبح الغليون أحد أهم أثات البيوت العثمانية، انتشر سريعا إلى كل قصور أوروبا واعتُبر في فترة من الفترات الطريقة المهذبة والراقية في التدخين، رَسمت إبنة ملك فرنسا نفسها وهي مرتدية الزي العثماني ومُمسكة بغليون طويل أثناء حُمّى تقليد العثمانيين على غرار ماري وزوجها ورتلي مونتيغ السفير الانجليزي واللوحة الشهيرة للسفير الفرنسي الشهير كارلوس جريفر تمثل ذروة هذا التقليد.

الموسيقى والعود، اللباس العثماني والتربان والطعام والقهوة، حتى الستائر والنقوش العثمانية كانت حاضرة بقوة في كل القصور الأوروبية. إلا أن هذه المرحلة لم يتم دراستها في بلادنا وتركيا أيضا.

كان طول الغليون وجماله وتعقيد صنعة وفمه تشي برتبة المدخن وثرائه، وكانت أفواه الغليونات تُصنع من الكهرمان أو سن فرس النهر أو العاج، وكان الكهرمان الليموني الشاحب الأكثر رواجا. غدت وظيفة حامل الغليون- صانع ومحظّر الغليون- مهمة جدا حتى أصبح من أهل الثقة بين موظفي البيوت والوزراء، وغدا الغليون "قمة الإتكيت الشرقي" كما وصفه فيليب مانسل وان لم يكن الضيف من المدخنين.

في عام 1841، في لحظة التوتر بين فرنسا والدولة العثمانية هدد السفير الفرنسي بمغادرة البلاد إن لم يتلقى اعتذارا رسمي لعدم حصوله على شرف الغليون في قصر السلطان. أما في الغرب فكان يصل الغليون مستوردا من الدولة العثمانية للطبقة الراقية، وكانت مراسم التدخين في القصور ضمن الأسس والطرق العثمانية.

تعج المتاحف الغربية اليوم بمئات اللوحات الزيتية لنبلاء أوروبا وهم يرتدون الأزياء العثمانية ويمسكون بالغليون. ومع أن هذه المرحلة الثقافية غائبة عنا والدراسات والبحوث شبه معدومة عنها، إلا أن الحاجة إلى ترجمة الكثير من الدراسات الغربية تبقى مسألة في غاية الأهمية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة