السرطان لا يساوي الموت

أمسكتُ هاتفي أخيرًا، في شارعٍ ما بين مادبا وعمّان، واتصلّت بأمي لأعرف النتيجة، سألتها باقتضابٍ، وأجابتني باقتضابٍ أكبر: "طلع في إشي"، وأضافت: "اه شكله في اشي"، لم نستطع بأي حالِ من الأحوال، أن نُسمّي ذلك الشيء، لأنها كانت تستلم ببساطةٍ، خبر إصابة أخي الأكبر بسرطان الغدد اللمفاوية. 

كان ذلك من أسوأ المواقف التي يُمكن أن يمُّر بها أي انسان، انهرتُ باكيةً وكُلّ من حولي يحاولون تهدئتي، وإقناعي بأنّ السرطان يحتاجُ صبرًا وقوة، ثم يُمكن أن يُعالَج، وبدأ الجميع من ذلك اليوم، يُعيد ذات الأسطوانة فوق رؤوسنا، أمّا أنا والتي كنت أعيدها فوق رأس العائلةِ أيضًا، كنت أؤمن تمامًا أنّها كلماتٌ فارغةٌ مُكررة، لا تُساوي أيّ شيء، فالسرطان يعني الموت، لا أقلّ ولا أكثر!  كنتُ بحاجة كبيرةٍ للتماسك، فأنا لم أستطع أن أخوض حديثًا عن ذلك "الشيء"، الذي يكره الجميع تسميته، كأيّ حديثٍ آخر، إلاّ بعد سنواتٍ طويلةٍ من عمري، فقد كان ذلك "الشيءُ" هو كُلُّ ما يذكرني بأبي وفقدانه. 
 

القوة الحقيقية التي يُمكن أن تحمينا في مواجهة شيء كالسرطان، هي ممارسةُ الحياة بشكلٍ طبيعيٍ جدًا، كأنّ ما نعاني منه ليس سوى مرضٍ عابرٍ، يُمكن أن يُصيبنا في لحظة، ويتركنا في لحظةٍ أخرى!

أصابتنا تلك الصدمةُ بكآبةٍ كبيرة، فكُلنا اقتنعنا لوهلةٍ، أنّ المصير محتوم، حتّى لو كان هُناك من عرفناه، وقاوم المرض وانتصر عليه فعلاً، إلاّ أنّ ما عرفناه نحن، وما عايشناه، لم يكُن كذلك!  وكان من الصعب جدًا، أن يُحاول أحدنا دعم الآخر، حتى وصلنا لقناعةٍ تامّة، بأنّ كُلّ ما علينا فعله هو الانتظار، سننتظر ولن نواجه نهايةً غيرَ مُتوقعة، الخياراتُ هُنا واضحة، كُلُّ ما عليك فعله هو الانتظار. 

وبدأت شيئًا فشيئًا، أنسى ذلك، وأنا أرى أخي يتنقل كُلّ أسبوعين بين دبي وعمّان، ليصل مركز الحسين للسرطان، ويأخذ جرعة العلاج الكيماوي، ويسافر بعدها كأنّ شيئًا لم يكن.  إنّ مقدار الصبر الذي يلزم موقفًا كهذا، كبيرٌ جدًا، لكنّي كُنتُ أراهُ في كُلّ نُكتةٍ يُطلقها عن سفره مرّتين في الشهر، وعودته التي أصبحت تشبه التنقل بين عمّان والزرقاء، المدينتان التي يفصلهما "أوتوستراد"!.

وعرفتُ فعلاً أنّ القوة الحقيقية التي يُمكن أن تحمينا في مواجهة شيء كالسرطان، هي ممارسةُ الحياة بشكلٍ طبيعيٍ جدًا، كأنّ ما نعاني منه ليس سوى مرضٍ عابرٍ، يُمكن أن يُصيبنا في لحظة، ويتركنا في لحظةٍ أخرى!.  كان "أحمد" يبني طموحاتٍ على المدى الطويل، ويشتري سيّارةً جديدة، ويجد الكثير ليفعله في أيام عطلته!  وكانت أمي، كُلما وصل إلى الأردن، تحتفلُ به كأنه غائبٌ لسنوات، مع أنّ طائرته السابقة لم تكن سوى أسبوعين! 

إنّ هزيمة السرطان لم تكن انتصار المريض على المرض فقط، بل كانت انتصارًا على المبادئ والقوانين الطبيعية.

أذكرُ بكامل تفاصيله، مشهد غُرفة الكيماوي في مركز الحسين للسرطان، حين دخلتها أول مرةٍ معه، ظنًا منّي أنّي ربما أسانده وأمي في هذا الموقف، لم أتوقع أبدًا أنّ ذاك اليوم سينتهي باستغرابه حين قال "هذا هو الكيماوي!". قبل ثلاثة أسابيع، أنهى "أحمد" العلاج الكيماوي والإشعاعي، بعد تسعة أشهرٌ، لا أذكر منها سوى سفراته المتكررة، وجميع نتائج فحوصاته النهائية، أن هزم هذا الشيء! وقد عادَ هذا الأسبوع ليقوم بصورةٍ دوريّة، أثبتت مرةً أخرى انتصاره، وأصبح قادرًا على الاستمرار بحياته، كما كان، لا يلزمه سوى فحصٌ دورّيٌ كُلّ مُدة.

إنّ هزيمة السرطان لم تكن انتصار المريض على المرض فقط، بل كانت انتصارًا على المبادئ والقوانين الطبيعية، هزم "أحمد" السرطان، وهزمَ خوفنا، وهزَم خُرافة أنّ السرطان يعني الموت.  لا شيء يساوي قيمةً لا نريدها، هذا ما علّمني إياه من هذه التجربة، فإن كنت تنتظر الموت، لن يأتيك سوى الموت، وإن كنت تنتظر الحياة، ستفتح ذراعيها لاستقبالك، أنت وحدك من يُقرر النصر أو الهزيمة! هذه سلسلةُ عقباتٍ وتحديات، والمرءُ منّا هو الذي يختارُ أن يرفض المواجهة أو يقبلها، لا شيء يُمكن أن يهدم إنسانًا كالسرطان، ولا شيء يمكن أن يبنيه كهذه المواجهة، السرطان لا يساوي الموت، أحمد يساوي الحياة. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة