الثورة في تونس والمرأة الجميلة القبيحة

تبدو الثورة في تونس كامرأة طاغية الجمال، مُحمّلة بأنوثة صارخة يسعى العديد من الرجال إلى خطب وصالها، وتغار منها بعض النساء، ويحقد عليها البعض لغرورها وتصرّفاتها الطائشة.

هي الثورة لا اجماع حولها، يرونها شمسا لم تجلب الدفء والطمأنينة، بل زرعت نارا حامية اكتوى بها العديد، فالتهبت الأسعار وتدنّت قيمة الدينار، وتناقصت أعداد السياح، وتواصل الفساد بل امتدّت عروقه كأخطبوط كبير فرش أطرافه.

لكن من النعم أن هذه النار لم تحرق الأخضر واليابس، فمن اجتمع حولها أدرك قيمتها، وعرف معنى أن تتكلم بصوت عال دون خوف ولا رهبة ولا التفات يمين أو يسار، سواء في بيتك أو سيارتك أو في المقهى أو في مقرّ عملك أو الجامعة، يُمكنك أن تقول ما تشاء انتقد رئيس الجمهورية الوزير الوالي المعتمد، لم تعد تخشى شيئا ولم تعد تقول ان للحيطان آذان تصغي وتُسجّل، لا تتراجع عن ما تدوّنه في الفايسبوك أو تويتر، ولن تُحاسب على نقاشات سياسية مع زملائك أو أصدقائك أو عائلتك.

الثورة إرث لفساد نخر كامل الجسم، وتوجّب التدخّل كي لا يصل هذا السوس إلى العظم، وليس ذنب الثورة أن جلبت الإرهاب، لأن الارهاب وطأ حتّى أعتى الدول الغربية، وليس وزرها أن يفهم بعض المواطنين الحرية فهما خاطئا، وليس خطأها أن يتضاعف حتى السياسيين.

تُدرك أيضا أنه بعد الثورة لن تحرم الفتاة من الدراسة أو العمل لمُجرّد أنها اختارت أن ترتدي حجابا، ولن تضطرّ إلى الذهاب في كل مرّة إلى مركز الأمن لرفع الحجاب أو كتابة تعهّد بعدم لبسه مرّة أخرى، ولن يُسجن شاب لأنه أطلق لحيته أو صلّى صلاة الصبح في المسجد.


تَعلم أن مجلس نواب الشعب، بكل زلاّت نوابه وأحيانا تدخّلاتهم العقيمة وصراخهم الغير مجدي في بعض الحالات، هي هفوات قد تكون غير بسيطة لكن في دولة عربية لها برلمان مُنتخب بصفة ديمقراطية دون تدخّل السلطة التنفيذية يُعتبر فائدة، فالنواب المُعارضون ليسوا ديكور فهم يعترضون بجدية ويُحرجون بتدخّلاتهم زملائهم نواب المُوالاة ويشتدّ أكثر النقاش في الملفات الحارقة فبعض الجلسات تطول.

وما يحصل تحت قبّة البرلمان من حقّك أن تكتب عنه وأن تنتقده وأن تثور عليه، لم يعد هناك رئيس جمهورية يفوز في الانتخابات بأكثر من 90 بالمائة ولا أحزاب تكسب الانتخابات بأغلبية مريحة جدا، بل أصبحت الأحزاب الفائزة مضطرّة ولو على مضض ، للتحالف مع أحزاب أخرى لتكون كتلتها النيابية صلبة.

أصبح بإمكانك أن تخرج إلى الشارع لتحتجّ لأي سبب كان، خاصة رفضا للبطالة وللمطالبة بالتنمية، ولن تُواجه الاحتجاجات بالرصاص الحيّ، ولن يُقتل الشباب المحتجّ رغم وجود بعض التجاوزات الأمنية خلال الاحتجاجات الحالية، وحتّى وان زادت الاحتجاجات عن حدّها وتسبّبت في اغلاق عدد من المؤسسات وفي اضاعة عدد من أيام العمل تُعدّ حالة طبيعية لمُحتجّين غاضبين يرغبون في ايصال أصواتهم، فلم تعد العصافير تُزقزق والأجواء صافية كما كانت ترسمها السلطة الحاكمة.

قد حلمنا إبان الثورة بأمن جمهوري، وبالقضاء على آفتي الرشوة والفساد في الإدارة والاعلام والقضاء، لكن هذا الحلم لم يتحقّق إلى الآن بصفة كليّة، وطمحنا إلى اللامركزية وتنمية عادلة وإلى التشغيل، وتبدو خطوات الإصلاح بطيئة جدا، وأنه بعد أكثر من سّت سنوات من الثورة، ما يعيشه التونسي حاليا ليس من أجله صرخ "خبز وماء وبن علي لا" وقد يكون مؤلما أن تزيد جرحا على جرح العاطل عن العمل، والمُعدم والمحتاج بأن تطلب منه الصبر والانتظار أكثر.

لأنه ليس في قاموسه تركيز المؤسسات الدستورية ولا العدالة الانتقالية ولا العفو التشريعي، بل أولوياته قوت عائلته والعمل والأسعار المرتفعة والبنية التحتية والتعليم والصحّة، ومن الإجحاف قطع مزيد من الوعود والأوهام التي تزيد في كل مرّة من قوّة الاحتجاجات، فمن البديهي أن تكون لكل تجربة أو ثورة سلبياتها وإيجابياتها المختلفة ولكل شخص وجه ثان قبيح.

الثورة إرث لفساد نخر كامل الجسم، وتوجّب التدخّل كي لا يصل هذا السوس إلى العظم، وليس ذنب الثورة أن جلبت الإرهاب، لأن الارهاب وطأ حتّى أعتى الدول الغربية، وليس وزرها أن يفهم بعض المواطنين الحرية فهما خاطئا، وليس خطأها أن يتضاعف حتى السياسيين، ويجنّوا بحب الوصول إلى الكراسي بعد أن كان رجل واحد وحزب واحد يستحوذ على كل الكراسي.

الجانب القبيح من الثورة لا يُبرّر تمنّي عودة بن علي إلى الحكم كما أن جمال الثورة لا يعني أن كل الأمور على ما يُرام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انتقدت صحيفة ذي غارديان في إحدى افتتاحياتها ترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسيسي في البيت الأبيض أثناء زيارته الشهر الماضي، بدلا من معاملته كزعيم منبوذ مثلما فعل باراك أوباما لسنوات.

الأكثر قراءة