الآيات الرحمانية.. بين الحقيقة التاريخية والحاجة العلمية

الكرامات الربانية من الصور التي تمر في صفحات تاريخنا الإسلامي، وكثير ممن كتب في التاريخ الإسلامي خصوصاً عملوا على تأكيد، وإبراز البعد المعجز، والمعية الإلهية التي رافقت صانعي أحداث التاريخ، فتكون لدينا تاريخ بشري له الكرامات، والمعجزات، فالحقائق التاريخية ينالها بُعد عقدي يوجدها لا جهد بشري يصنعها، وهذا حسب التصورات المنقولة في كتابات المتقدمين منا، والمتأخرين.

إن شريعتنا الإسلامية الغراء تؤكد وجود حالات الكرامة، والمعجزات، ولكن هي ذاتها الشريعة التي تؤكد أولوية اتخاذ الأسباب، وتحقيق الحاجات الضرورية التي يتحقق بمقتضاها تمام التوكل المجلب للتوفيق الإلهي الذي يبدأ به كتبة التاريخ، وبه ينتهون على الوجه الغالب العام، وهذا البناء التوثيقي لحوادث التاريخ يفسدها لا يصلحها كما يخيل لأولئك، فالرواية التي تمهد، وتختتم بسرد الكرامات، والخوارق، وإسقاط النصوص تقدم للقارئ صورة من صورتين، فالأولى أن كل تلك الأجيال كانت مصطفاة، وخيرة، ومن تراجع، وهزم فهم أجيال منبوذة، ومبعدة! أما الصورة الثانية فهي تثبت صورة الاستهانة بقيمة الأسباب المادية، والشروط الحقيقية التي تحقق النصر، والإنجاز، وهذا ما يؤكد التواكل المذموم شرعاً وخلقاً.

غاية الحديث هذا أن تناول التاريخ من الزاوية العلمية لا ينسجم مع توظيف الآيات الرحمانية، وإذ تقدم إثباتنا أن المعجزات أمر مشروع معروف إلا أننا بحاجة لوقفة؛ نحدد من خلالها أن حوادث التاريخ أعمال نشأت عن حيوية العنصر الفاعل بمثلث الحدث التاريخي (زمان/ مكان/ إنسان) فإطلاق التعليق على الكرامة، والمعجزة، ومدى استيثاق المرأ من دينه، وتشبثه في عقيدته أمر لا يدخل في مجال الدراسة البشرية لأنه يعلق الأمور على عوامل غيبية ليس لنا سبيل في تمحيصها وتحقيقها.

يجدر بنا التفاعل مع التاريخ من شق علمي بحت يحقق لنا المنفعة الخالصة، وينفي عن عملنا القراءة الوعضية الإرشادية؛ لكي ننال نصيباً حقيقياً من الفهم يبلغنا لمركز حقيقي من العلم.

وعليه يصدق البناء العلمي القائم على معالجة العوامل الطبيعية الحقيقية، وهو بذلك مدار الحاجة العلمية الرئيسة، فالمطلب النهائي للعملية المعرفية هي إدراك كيف تقدم الإنسان أو أحجم، وكيف تغير إيجاباً أم سلباً، وهي عناصر يدركها المؤمن، والكافر البر، والفاجر بدليل التاريخ، وبدليل قواعده، وإرهاصاته، وليس لنا على مجال الدليل القاطع أن الجانب الإلهي المعجز له دخل إلا ما كان بالنصوص الثابتة القطعية تلك التي انقطعت بوفاة النبي ﷺ، وكل ما دون ذلك من تفسير أو تأويل فهو من قبيل إسقاط الروايات الدينية على الوقائع الدنيوية، وهو محض رأي لا يقدم، ولا يؤخر، ولكن قد يكون نافعاً في دائرة التوجيه التربوي، أو التأسيس السلوكي الإيماني، وهو على القطع لا يؤسس لبناء تصور علمي معرفي.

إذاً ما هو المخرج؟ جل من يتناول تاريخنا، ويسرد أحداث ماضينا يعلق الأمر بالأصل على مدى صدق إيمان ذلك الجيل، ومدى ضمور الدين لدى هذا الجيل، ويتجاهل، ويتناسى كمية مهولة من المؤثرات، والمتغيرات التي تصيغ التاريخ، وتصنعه، وإن أبدى عوامل أخرى فهي من السطحية، والضحالة ما يشوه النظر، ويفسد الخبر، ولا يقدم لنا معالجة حقيقية تساهم في التوظيف الذي يستخدم دائماً للتاريخ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وهنا يجدر بنا التأكيد أن القراءة العلمية العميقة التي تجيد التقديم البنائي للحدث التاريخي فتعالجه من منطلقات علمية تهدف لتفكيكه، وإعادة بنائه، وتشكيله؛ لتكتمل عندنا الصورة الحقيقية بعيداً عن قضايا غيبية إيمانية لا تقدم ولا تؤخر!

وبالإشارة للقراءة العلمية؛ يجدر بنا التفاعل مع التاريخ من شق علمي بحت يحقق لنا المنفعة الخالصة، وينفي عن عملنا القراءة الوعضية الإرشادية؛ لكي ننال نصيباً حقيقياً من الفهم يبلغنا لمركز حقيقي من العلم ننال بفضله مكانة حقيقية بين الحضارات، والأمم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة