الآخر في الحياة الزوجية (1-الرجل)

يُحكى أن بنتا لأحد الملوك كانت متمردة، كلما تزوجها رجلٌ.. طلقها بسبب عصيانها له وعدم طاعتها لأوامره، حتى ساءت سمعتها في سوق الرجال وعزفوا عن الزواج بها (رغم أنها أميرة)، مما دفع أباها (الملك) أن يعلن عن جائزة مادية كبيرة لمن يتزوج من ابنته، لكنه صرّح في الإعلان أنه سيقتله إذا طلقها، فتقدم رجل فقير مُعْدَم ليتزوج ابنة الملك، فوافق الملك وزوجها له وأعطاه الجائزة!! وفي الوقت الذي ينتظر فيه الناس أن يُقتل الرجل بعد طلاق البنت، أخذ الرجل زوجته إلى مكان وحدهما ومعهما قِطّة، ثم قال للقطة: أحضري لي الماء كي أشرب، فلما لم تنفذ القطةُ طَلبَه.. ذبحها. وعندما رأت ابنة الملك هذا المنظر قررت أن تطيع الرجل ولا تعصي له أمرا، واستقرت حياتهما الزوجية. وكانت هذه القصة سبب المقولة الشهيرة التي تقال للرجل قبل زواجه (ادبحلها القطة في ليلة عرسها).

 

لا ينكر أحد أن الأمثال والمقولات المتعلقة بالزواج أصبحت ذا تأثير كبير على الحياة الأسرية، كما أن الأعمال الدرامية هي الأخرى صاحبة التأثير الأعظم في هذا السياق، فماري منيب وميمي شكيب وهن زوجات شرسات أو حموات أرشانات صرن يمثلن نموذجا راقيا للكثير من النساء، وأصبح الممثل الراحل عبد الفتاح القصري الذي مثل دور الزوج (حنفي) حلما عند العديد من الفتيات (طبعا باستثناء المشهد الأخير الذي ضرب فيه زوجته أم حميدة على وجهها قائلا: مفيش حنفي)، وزاد الأمر في شأن حنفي حتى أصبح النساء يُعَدِّلنَ ويطوِّرن من الشخصية، إلى أن قالت إحداهن: جريت ورا زوجي بالمقشة، فخاف مني واختبأ تحت السرير، فقلت له: لو راجل اطلع. فقال: مش طالع، وأنت عارفة (كلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدا).

 

بين (ادبحلها القطة في ليلة عرسها) و (كلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدا) ضاعت معاني الرجولة الحقيقية، وانحصرت في طرفين تفر منهما المرأة السَّوِيَّة العاقلة، وتحول الأمر من كونه بحثا عن شريك الحياة، ليصبح بحثا عن الطرف الآخر (العدو)

الأمر أيها الأفاضل لم يعد مجرد مزاح أو مادة تندُّر، الأمر بلغ إلى أن كثيرا من البيوت تسير على هذا النسق أو على الأقل تسعى الزوجة للوصول إليه، ولا تبالي بكم المشكلات والنزاعات التي تحدث في سبيل ذلك، وصارت البنت أو المرأة تبحث عن الرجل الذي يحمل صفات الرجولة في بعض أمور، لكنه ينوب عنها في صفات الأنوثة في أمور أخرى!! (فهو رجل بعض الوقت وأنثى أغلب الوقت). والطبيعي في مقابل ذلك أن تحاول هي اكتساب صفات الرجولة التي لا تريدها في زوجها!! وهذا يحدث خللا كبيرا داخل البيت.

 

وبين (ادبحلها القطة في ليلة عرسها) و (كلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدا) ضاعت معاني الرجولة الحقيقية، وانحصرت في طرفين تفر منهما المرأة السَّوِيَّة العاقلة، وتحول الأمر من كونه بحثا عن شريك الحياة، ليصبح بحثا عن الطرف الآخر (العدو) في المعركة الزوجية، ولئن كان الأول عبارة عن شخص يريد أن يحصل على رجولته في البيت بإرهاب المرأة وتخويفها، ولو في أسعد لياليها، فإن الثاني قد أراح نفسه من التزامات الرجولة وتبعاتها، وحمّلها لامرأته، ومن ثَمَّ نزع من زوجته أهم وأجمل صفاتها (أنوثتها).

 

وقبل أذكر هنا بعض الصفات التي ينبغي أن تحرص عليها وتبحث عنها كل مقبلة على الزواج، أريد أن أؤكد على أن البحث عن زوج يعني في الأساس البحث عن النصف الآخر، حيث خلق الله عز وجل الإنسان بصفات الجمال والكمال البشري، لكنه قسم هذه الصفات بين الزوجين حتى يصبح كلٌّ منهما مكملا للآخر، فيحوي الرجل صفات الذكورة وتكون موضع مدح فيه، كما تحوي المرأة صفات الأنوثة وتكون موضع مدح فيها، قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ} فصفات الأنوثة عيب في الرجل كما أن صفات الذكورة عيب في المرأة. علما بأن هذا المقال هو الثالث ضمن سلسلة (عوامل نجاح الحياة الزوجية) حيث كان الأول هو وقفات حول غيرة النساء، والثاني هو تعظيم شأن الزواج.

 

القوي الأمين

في سورة القصص ذكر الله لنا قصة رائقة تصلح نبراسا ومصباحا لكل من تبحث عن رجل للزواج، ولخصت الفتاة الصالحة ابنة الرجل الصالح صفات الرجولة التي تبحث عنها المرأة وتشتاق لمن يتصف بها عندما قالت لأبيها: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، قال سيد قطب في الظلال: (والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة الله).

 

الأمانة فهي من وجهة نظري أهم من القوة، لأن القوة صفة متقلبة توضع في مكانها الصحيح حينا وفي غير مكانها حينا، يملكها الرجل حينا ويفقدها حينا، لكن الأمانة صفة خُلُقية عظيمة، من يحصلها من الرجال يسعد بها ويحافظ عليها، وتستمر معه مهما بلغ من الكبر عتيا

والقوة هنا تحوي القوة الجسدية مع القوة النفسية، فبالقوة الجسدية يستطيع الرجل العمل والتكسب والإنفاق على البيت، كما يستطيع حماية أهله من مخاطر الحياة وتهديداتها، وبالقوة النفسية يصبح ذا هيبة عند زوجته، كما يصبح مُهابَا عند غيره من الرجال الذين قد تسول لهم أنفسهم الاعتداء على حرماته، وهذه القوة النفسية هي التي تعينه على ضبط نفسه إذا ما حصل من امرأته شيء يغضبه، فلا يكون وحشا كاسرا أو طاغية متجبرا عليها بدعوى أنها أغضبته، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" يتنزل أولا على الرجل في بيته مع زوجته وأولاده، ويقابله قوله عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ" وهو الراعي الذي كلما أغضبته غنمة ضربها على رأسها فقتلها.

 

أما الأمانة فهي من وجهة نظري أهم من القوة، لأن القوة صفة متقلبة توضع في مكانها الصحيح حينا وفي غير مكانها حينا، يملكها الرجل حينا ويفقدها حينا، لكن الأمانة صفة خُلُقية عظيمة، من يحصلها من الرجال يسعد بها ويحافظ عليها، وتستمر معه مهما بلغ من الكبر عتيا، وهي أفضل الصفات التي تنتفع بها المرأة في الرجل، حيث الأمين يحافظ على الأمانة التي استأمنه عليها ربُّ العزة تبارك وتعالى، حتى إن كرهها خاطبه قائلا: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، واستأمنه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ" وبقوله: "فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ" أي: أسيرات. ولا يراعي حق الأسير المستضعف إلا الرجل الأمين، ولهذا أوصى عليه الصلاة والسلام أسرة الفتاة التي يأتيها الخُطّاب قائلا: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ".

 

فقوة الرجل للمرأة، يبذلها من أجل راحتها وحمايتها والدفاع عنها، وأمانته تظهر في حفاظه عليها ومراعاته لحقوقها والإحسان إليها، وهاتان الصفتان تطوى من أجلهما المطايا وتشد إليهما الرحال، وعليهما تتسابق النساء وتتنازع، لكن لا ينبغي أن تغفل المرأة في هذا السياق أن هذا الرجل يحب أن يكون في بيته آمرا ناهيا سيدا مطاعا، يحب أن تناقشه امرأته لكنه يكره أن ترد أمره، يقبل أن تشاوره زوجته لكنه لا يقبل أن تعترض عليه، فهو يبحث عن سكنه الكامل في المرأة التي يُسَخّر كل طاقاته من أجلها، وكثرةُ تشغيبها عليه ومراجعتها له تؤثر سلبا على مكانتها في قلبه.

 

لا ينبغي للمرأة أن تذكر دائما "النساء شقائق الرجال" وتغفل في نفس الوقت: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، ولا يجوز أن تقرأ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} دون أن تكمل الآية {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}، ولا يكون هذا العدل والإنصاف إلا إذا رسمت المرأة الحياة الزوجية رسما صحيحا، فهي حياة تكاملية تشاركية، وأخرجتها من ساحة الحرب التي أدخلتها فيها عنوة واقتدارا تلك الأعمال الدرامية، حتى جعلتها حياة تصارعية تنازعية.

 

ولا أغفل هنا التأكيد على أن القوامة التي يبحث عنها الرجل ليست حقا مكتسبا بلا ثمن أو ضريبة، فالأمر كما في الآية الكريمة: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، والمرأة بطبيعة الحال لا تسلم قيادها إلا لرجل راجحٍ في عقله حكيم في قراراته، كما أنه ينفق عليها ويتولى أمرها ويلبي احتياجاتها، وكلما نقص شيء من ذلك عند الرجل.. كلما فقد نصيبا من قوامته على امرأته.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة