إلى العَشرة الذين تقدموا لخِطبتي في العُرس..

أَتذكَّرُ ذلك اليوم بكُل لحظاته. يومُ زفافِ أقرب صديقةٍ لي. استيقظْتُ صباحًا، وقبل أن أغادر سريري، راجعتُ كلَّ ما يجب أن أنهيه قبل موعد العرس: زملائي في العمل يحتاجون لملفَّات أرسلها إلكترونيًّا، لديَّ خمس مواعيد مع أقربائي، عائلتي، صديقة قديمة لي، وبالتأكيد موعدي مع عروس الليلة، نضع اللمسات الأخيرة لطلّتها. كل ذلك بالإضافة لشالي، حذائي، وحُليَّ ثوبي التي لم أحضر منها شيئًا. آخ متى ينتهي كل ذلك ويأتي العرس؟!

بقيَ على موعد الذهاب للقاعة نصف ساعة. ارتديتُ ثوبي، ما أجمله! لونه أحمر قانٍ. رأيتُ نفسي فيه "أميرة" ما أهمَّها إلا أن ترى نفسها جميلةً في عينيها. ربما أطرى على جمالها أحد وربّما لا، لكن ما المشكلة طالما رأت نفسها هي جميلة؟ بل جميلة جدًا!! ذهبَت إلى عرسٍ كي تَسعدَ وتُسعِد غيرها، لا لـ "تصطاد عريسا!"
 
منذ متى تحولت الأعراس إلى "حلبات مصارعة"؟ الأطراف الثلاثة تستعد بشتى الطرق كي تَخرُجَ بغنيمةٍ من هذه "الحلبة": المخطوبة والخاطب وأمّ الخاطب؟! وكيف لنا أنْ نكون بهذه السّطحية، ونأخذ قرارَ شراكةٍ كاملة في ساعة أو ساعتين؟

أَصِلُ إلى العرس، ووسط التهاني ومباركاتٍ للعروس وزوجها وأهلهما، والتقاط الكثير من الصور، والسعادة التي تطير في المكان، وبين الوجوه:– مرحبًا، أنا رأيتك منذ بداية العرس. أُعجبت بكِ، وأحب أن أتقدم لخطبتك من والدك لو أنك موافقة. موافقة؟؟

– مرحبًا عزيزتي، ما اسمك؟ ثوبك جميل، وأنت جميلة. أنا والدة فلانة. أنت ابنة من؟ كم عمرك؟ من أي جامعة تخرجتِ؟ لديّ ابن تخرج من كذا، عمره كذا، خلوق ومحترم جدا. أكون سعيدة لو وافقتِ أن تكوني زوجته! (يا إلهي! نَسيتْ أن تذكر لي اسمه!)– لو سمحتِ، ما اسمك؟ أنا صديقة فلانة في الجامعة. هل أنتِ مرتبطة؟ أخي يبحث عن عروس، وأراكِ مناسبة جدا له. مارأيك؟ موافقة؟! والقائمة تطول…

منذ متى تحولت الأعراس إلى "حلبات مصارعة"؟ الأطراف الثلاثة تستعد بشتى الطرق كي تَخرُجَ بغنيمةٍ من هذه "الحلبة": المخطوبة والخاطب وأمّ الخاطب؟! وكيف لنا أنْ نكون بهذه السّطحية، ونأخذ قرارَ شراكةٍ كاملة في ساعة أو ساعتين؟ وبناء فقط على ثوبها، ومستحضراتِ التَّجميل التي استخدَمَتها؟ ثم لماذا يكون الحظُّ الأوفر لمنْ يرونها الأجمل في القاعة؟ ماذا لو لم تكنْ جميلة، وصادف فقط أن استخدَمَتْ مستحضراتٍ غالية الثّمن ذلك اليوم؟ ثم لو كانت حقًّا جميلة ظاهريا، هل هذا كافٍ للحُكم عليها أن تكون "شريكةُ حياة"؟!


لا أتحدث هنا عن نوع الزواج وإن كان "زواجًا تقليديًا" أم لا، ولا أقول إن كلّ النساء أميرات أتين من أرضِ الأحلام، بل أتحدث عن أحكامٍ تسقَط عليهنَّ ما أنزلَ الله بها من سلطان. أحكامٍ سطحيّة تُبنى على قشرةٍ خارجية فقط، وقد يكون الحُكم أعمق قليلًا، فيُبنى على أحاديثِ المعارف ورأيهم عنها وعن عائلتها. يا رجل! بالله عليك أخبرني! كيف اختَصرتني في ثوبٍ وكعبٍ ومستحضرات تُجمّلني؟! كيف اختصرتَ كل سنيني وأحلامي وأحزاني وأفراحي في نصفِ ساعة؟!

أأَخبركَ ثوبي الأحمر عن طفولتي كيف كانت؟ هل حدَّثك عن أكلاتي المفضلة من وقتها وحتى الآن؟ وعن ألعابي التي أحبها؟ هل حدثك ثوبي عن أسراري؟ عن بحر أسراري؟ عن أمنيةٍ تمنَّتها تلك الطفلة، ولم تغادرها حتى اليوم؟ أوَ تُراه حدّثك عن حياتي المزدحمة؟ وأيامي التي سهرتُها لوحدي؟ عن صراعاتي ومعاناتي وانكساري؟ عن لحظاتٍ أرادت أن تتمكّن منِّي ولم تفعل؟ هل كُتِبَ على ثوبي درجةُ صلاحي؟ أو ضلالي؟ هل أَخبَرَك عن مساوئي كلها؟ وما أُحبّ وأكره؟
 

سنوني العشرون تستحقّ أفضل من ذلك. تستحقّ حُكمًا عادلًا أعمقَ بكثيرٍ من حُكم على مظهرٍ خارجي سيزول بزوال المؤثِّر (العُرس). وحيثُ أنّك بخسْتَ حقَّ نفسي لَمّا قِستَني بساعة، وبخسْتَ حقّ نفسك لمّا كنتَ سطحيًّا فيما ترى .. فجوابي: لا، غير موافقة!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ذكر تقرير صحفي أن كوريا الشمالية تعد لتجارب صاروخية جديدة، استنادا إلى معلومات قد تكون بيونغ يانغ سربتها عمدا، لتوجيه "رسالة إستراتيجية" عشية تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب.

الأكثر قراءة