أنفرح بأعياد ميلادنا أم نحزن؟

عند اكتمال عام المولود الأول يجتمع كثيرون حوله بعد أن تجاوز أول سنة بنجاح، وكان نموه ممتازاً وكَبِرَ الغالي سنة كاملة، وفي السنة الثانية نفرح بذلك الطفل مرة أخرى فقد أصبح عمره سنتين، وأصبح يقول ماما وبابا وبعض الكلمات المتقطعة ذات النكهة الخاصة، فتبدأ مراسم الاحتفال وتقطيع الكيك وأغنية (هابي بيرث دي تو يو) والتي ستظل مترافقة معه سنوات طويلة، ويتسابق الجميع على إحضار الهدايا، وكل عام نكرر المناسبة ونحتفل ونرقص كل حسب بيئته وطقوسه، والطفل يكبر معنا ويدخل المدرسة ويتخرج من الجامعة ويتزوج وينجب طفلا وتستمر طقوس الاحتفال له ولابنه وللمحيطين.

ولكن هل علينا أن نفرح في عيد ميلادنا أم يجب أن نحزن؟ لنجيب عن هذا التساؤل يجب علينا أن نعرف من أين أتت هذه الطقوس الاحتفالية؟ يعود أصل هذه الطقوس إلى الحضارة الإغريقية وهي مرتبطة بالآلهة (أرتيمس) أو ما يعادلها في الحضارة الرومانية الآلهة (ديانا) وهي آلهة الصيد والقمر وهي تشكل واحدة من ثالوث الآلهة، بالإضافة إلى (منيرفا) و(فستا) اللاتي قررن عدم الزواج، فقد كان الإغريق يصنعون الحلوة على شكل دائري والتي تشبه وجه البدر ويضعون فوقها الشموع ويضيئونها ليصبح وجه الحَلوة مضاءً كالقمر، وفي اعتقادهم بأن الدخان المنبعث من الشموع يحمل صلواتهم ويوصلها للآلهة (أرتيمس)، كانت الحكمة من وراء الشكل المستدير لقالب الحلوى أو الكيك هو تمثيله لدورة الحياة المستمرة التي تمر بأربعة فصول متتابعة دونما انقطاع.

كيف انتقلت هذه الطقوس من الاحتفال بالآلهة للاحتفال بالبشر؟ كان للمصريين القدماء الفضل الأول في تسجيل تاريخ المواليد من خلال دراستهم للفلك وحركة النجوم، وكان التسجيل والاحتفال مقتصراً على حكامهم الفراعنة الذين كانوا يعتبرونهم ممثلين للآلهة على الأرض ومصيرهم في أيديهم، فكانت في مثل هذه المناسبات تُقام الاحتفالات في كل مكان وتُقدم الحلوى المضاءة بالشموع في المعابد لآلهة القمر، ومع مرور السنوات الطويلة أصبحت أعياد الميلاد تقتصر على النبلاء والطبقة الحاكمة حتى وقت قريب حيث أصبح الاحتفال لكل الأفراد باختلاف انتماءاتهم ومكانتهم.

تبقى لهذه الطقوس جماليتها باجتماع الأقرباء والأصدقاء وبالأمنيات السعيدة، ويبقى الفرد يشعر كل سنة بأنه ما زال جزءًا من عائلة وهناك يوم يأتي كل عام رغم مرور الحياة بحلوها ومرها.

إذا كان الناس قديما قد احتفلوا بالآلهة كي تجعل صيدهم وفيراً وعيشهم مستقراً، وتُبعد عنهم الأعداء ومن ثم احتفلوا بالحكام الفراعنة كونهم يمثلون هذه الآلهة أو تلك، فماذا يعني احتفال الأفراد العاديين بهذه المناسبة؟

في داخل كل شخص منّا آلهة دفينة ونظام معقد وُضِع في أدمغتنا وهو ما يجعل كل شخص فينا يرى نفسه مقدسا ويشعر بأن الروح الموجودة داخله هي جزء له قدسيته المستمدة من خالقها، فيحاول الحفاظ على هذه الهالة من خلال الاحتفال بيوم ميلاده.

الحقيقة بأن الحياة البشرية تشابه إلى حد بعيد قالب الحلوة الدائري والمستمر فكل جيل يأتي يحافظ على استمرار النوع ويستمر حاملاً موروثات البشرية وتراكمات الحضارات التي أصبحت ماثلة في الفكر البشري الجمعي.

على هذا فالاحتفال بعيد ميلادنا بعد أن نبلغ من العمر عتياً يعتبر بشكل منطقي قضية خاسرة، فنحن نحتفل باقترابنا من الموت أكثر وبزوال أعوام من حياتنا أخذت معها صحتنا وعافيتنا، وأصبحت الأيام كلما مضت كلما هرمنا وشعرنا بالعجز إلى أن يأتي يوم ونودع الدنيا كما استقبلناها.

وفي الجهة الأخرى، ومن خلال الولوج إلى الأرواح الداخلية نجد بأننا نحتفل باستمرارية الأرواح واقتراب رجوعها إلى مصدرها، وكذلك بترقبنا اللاشعوري باقتراب مرحلة جديدة لأرواحنا ستخوضها في تجربة لا يعلم ماهيتها إلا خالقها.

تبقى لهذه الطقوس جماليتها باجتماع الأقرباء والأصدقاء وبالأمنيات السعيدة، ويبقى الفرد يشعر في كل سنة بأنه ما زال جزءًا من عائلة وبأن هناك يوم مميز يأتي كل عام رغم مرور الحياة بحلوها ومرها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يرجع خبراء اقتصاد الهبوط الحاد للدينار التونسي لتدهور الوضع المالي والاقتصادي على جميع المستويات، ناهيك عن تداعيات التصريحات المثيرة لوزيرة المالية، في حين يربط خبراء الهبوط بضغوط يمارسها صندوق النقد.

الأكثر قراءة