أمي.. العلامة الفارقة

قبل أعوامٍ كثيرة وقد كنتُ لا أزال في الجامعة، أصابتني آلام شديدة جداً في معدتي، لم تُفلِح زيارتي للطبيب ولا كل الأدوية وقتها لتخفيف الألم، أذكرُ أن صديقتي آنذاك اصطحبتني لدكتور صيدلاني في منطقة الأشرفية في بيروت، كانَ قد عالجَ خالَها بوصفةٍ ابتكرها وقد شُفيَّ تماماً بعد معاناةٍ طويلة، أخذتُ الدواء والتزمتُ به إلا أنني أيضاً لم أشفَ.


شعرتُ حينها أن الأمر خطير، وأنه لا بد لي من العودة إلى عَمَّان كي أتابع علاجي هناك، وكي أكون بين عائلتي إذا حدث لي مكروه.. 
لدى وصولي، اضطررتُ بطبيعة الحال أن أخبر العائلة بسبب قدومي المفاجئ، وباشرت من فوري رحلة الفحوصات والتحاليل، وكانت برفقتي.. لم تتركني لحظة.


كانت النتائج غير واضحة، حتى تبين في أحد الفحوصات وجود "كتل" في المعدة، فكان لا بد من أخذ عدة "خُزَع" وزراعتها، كانت النتيجة ستظهر بعد ثلاثة أيام، وأذكر ما قاله الطبيب يومها لأمي وكانت ملامحه غير مطمئنة، قال لها: 
لقد وجدنا عدة كُتل، بعد الزراعة سنعرف ماهي.. لا تخبروا أحد بالأمر "وإن شاء الله خير".


ماتت أمي ولم أقرأ لها خاطرتي، ماتت ولازلتُ حتى اليوم كلما تعبت، كلما أنهكني المرض أنظرُ خِلسةً إلى الشرفة أراقبُ القمر، أنظرُ إلى السماء وأردد: ليست هناك علاماتٌ فارقة.. ولو أنها كانت لما رَحَلَتْ أمي وبقيتُ أنا!.

كانت تفتعلُ الطمأنينة أمامي، يومها لم أحتمل التعب والألم إلى أن نرجع إلى المنزل، فتوجهنا لمنزل خالي القريب من المشفى كي آخذ قسطاً من الراحة ثم نتوجه إلي بيتنا.. دخلتُ إلى الغرفة المجاورة للصالة وكنتُ بالكاد أستطيع المشي، أغلقتُ البابَ خلفي وما أن تمددتُ على السرير حتى استمعتُ نحيبَها وهي تحاولُ كتمه ما استطاعت.


عدنا للمنزل، وأجزمُ أنها كانت من أطولِ أيامِ عمرِها، كانت تتوجه كعادتها عند غروب كل يوم إلى الشرفة لتحتسي قهوتَها، وكنتُ أراها خِلسةً من نافذة المطبخ المطلة على الشرفة، وكنتُ أستطيعُ رؤيةُ دموعها المتلألئة على وجنتيها بسهولة وقد انعكسَ عليها ضوء القمر، وكنتُ أراها أيضاً تنظرُ إلى السماء وتتحدثُ كثيراً.


أما أنا فما كان يقلقني حقاً هيَّ، وهيَّ فقط، أمسكتُ بيدي قلماً وكتبتُ خاطرة كان عنوانها "علامةٌ فارقة"، وبعد أن انتهيت توجهتُ إلى الشرفة وبيدي خاطرتي، باغتُها وقد طَفِقَتْ تمسحُ دموعَها وتبتسم، جلستُ قربَها وفي عيني لومٌ بدا لها واضحاً، ثم سألتها: 
ما الذي تفعليه؟ حاوَلَتْ أن تُوَسِعَ ابتسامَتَها، وأجابت: لا شيء.. أنا أشرب القهوة وحسب. قلت: المشكلة أنني لا أستطيع شرب القهوة الآن، كي ألمس بنفسي مفعولها على العينين، يبدو أنها أصبحت محفزاً جيداً للدموع..!!!


ضَحِكَتْ، وسألتني: 
حسناً، ماذا تريدين الآن؟ أريدُ أن أقول لكِ، أنني لستُ خائفة، أجبتُها، وأردفت: هذه الورقة التي أحملها "خاطرة" ولن أقرأها لكِ، كتبتها عن نفسي، وعن هذا الظرف الذي ستتضح معالمه غداً، رغم هذا الظرف استطعتُ الكتابة، وأجدتُ التعبير.. لأنني لا أخشَ المرض.. فمم تخافين؟ أن أكون مصابةً بالسرطان؟ أنا لا أخشَ السرطان.. أقسمُ أنني لا أخشاه..!!


أمي.. لا أعرفُ ما الذي يحمله لي الغد، لكنني أخبرك أنني قوية، ومستعدة لكل الاحتمالات، ببساطة لأنني لا أحملُ علامَةً فارقة بين خلق الله تجعلني لا أصابُ بالمرض، كوني ابنتك.. هذا ليس علامةً فارقة، ابنتك كغيرها من أبناء الآخري، والمرض لا يُميِز وكذا الموت أيضاً لا يُميز، وليست لديه علاماتٌ فارقة..!!


عندئذٍ انهمرت دموعُها صريحَةً.. قالت: 
لن يبتليَني اللهُ بكِ…. قاطعتُها: وإن كانَ الابتلاءُ بي؟!! ماذا نحنُ فاعلون؟!! نَظَرَت إلى السماء.. وقد تجلَّى لنا القمرُ أكثرُ من أي وقتٍ مضى.. تجمدَت دموعُها.. ولم تُعَلِّق.. اكتفيتُ بنظرَتِها وتركتها تناجي الله.. وقد عَلِمَتْ أن ابنتها أقوى مما تَتَخَيل.


صبيحة اليوم الثالث ظهرت النتائج، وكانت "أورامٌ حميدة"، حَدَثتني طويلاً عن أيامِها الثلاث العِجاف بَكَت كثيراً وابتهلَتْ.. عانقتني كعائدٍ من الموت..!!


بعدها بسنواتٍ قليلة، لم تكن ثمةُ علامة فارقة تميزها لأنها " أمي"..!!فأصابَها المرضُ فجأةً لسبعةِ أشهرٍ فقط، ثم أمعنَ الموتُ في إثبات نظرية "العلامات الفارقة"، فغادرتنا بعمرٍ صغير، لم يكن صغيراً ولا فارقاً لدى الموت على أية حال!.


ماتت أمي ولم أقرأ لها خاطرتي، ماتت ولازلتُ حتى اليوم كلما تعبت، كلما أنهكني المرض أنظرُ خِلسةً إلى الشرفة أراقبُ القمر، أنظرُ إلى السماء وأردد: ليست هناك علاماتٌ فارقة.. ولو أنها كانت لما رَحَلَتْ أمي وبقيتُ أنا!.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة