و قال الدكتور الدوعان أن هذه الفكرة كانت موجودة عند الحكومة السعودية منذ الستينات زمن الملك فيصل وكان قد اقترحها الأمير محمد الفيصل إلا أن الملك فيصل فضل خيار التحلية كخيار بديل عن توصيل مياه النيل عبر البحر الأحمر لأن التحلية هو خيار محلي.
| السودان لا يستهلك حصته من ماء النيل كلها ولا ربعها حتى وكثير من حصة السودان من ماء النهر تذهب هباءً أو تأخذها بعض دول الجوار بوضع اليد. |
أوافق الدكتور الدوعان في دعوته إلى ضرورة تفكير المملكة العربية السعودية نقل ماء النيل عبر البحر الأحمر خصوصا مع التطورات الإستراتيجية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي تتجاوز كثيرا ما كان يفكر به الملك الراحل فيصل رحمه الله، فاليوم محطات التحلية التي أنشأتها المملكة العربية السعودية وشقيقاتها من دول مجلس التعاون هي في الخليج العربي، وهي في مدى قصف الصواريخ الإيرانية وفي حالة نشوب أي حرب فإن أول خطوة سوف تقوم بها الدولة الإيرانية هو تعطيش الخليجيين بقصف مصدر مياه شربهم وهذا ما سوف يسبب أزمة دولية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة الإيرانية اليوم أنشأت محطة نووية على الخليج العربي مما يجعله عرضة للتلوث في أي لحظة إذا ما تم تدمير هذه المحطة كما ينتظر، وإذا لم تقم طهران بالإيفاء بالتزاماتها الدولية، وهذا الأمر سيجعل مياه الخليج ملوثة بالإشعاعات النووية لمئات السنين إذا ما تم هذا الأمر لا قدر الله.
والسودان لا يستهلك حصته من ماء النيل كلها ولا ربعها حتى وكثير من حصة السودان من ماء النهر تذهب هباءً أو تأخذها بعض دول الجوار بوضع اليد فالسودان ليس متضررا ً من هكذا مشروع، بل ربما سيكون مرحباً به كونه سوف يساعد على توصيل ماء نهر النيل إلى بورتسودان "ميناء السودان الرئيسي" والتي تعاني من أزمة مياه مزمنة وتعتمد في شربها على نهر محلي موسمي يسمى بأربعات وعلى مقدار الماء المحجوز من هذا النهر.
وكثيراً ما سعت حكومة السودان لتوصيل ماء النيل إلى بورسودان ولكنها كانت تفشل بسبب عجز في التمويل. وتبعد بورسودان عن مدينة جدة مسافة مقدارها 290كيلومتراً فقط مما يجعل هذا المشروع ممكنا وممكنا جدا، ولكن تبقى هناك مسألة مهمة فالسودانيين ينتظرون من المملكة العربية السعودية نفقا يربط بورسودان مع ميناء جدة مثل ذلك النفق الذي يربط بين فرنسا وبريطانيا في بحر المانش يسمح بمرور السيارات والبضائع، وهذا النفق لو تم بجوار خط الأنابيب فسوف يكون مشروعا في غاية الأهمية؛ فهو سوف يسمح للسودان بتصدير بضائعه للمملكة العربية السعودية من مواد غذائية ولحوم حية وسوف يسمح للسودان بأن يكون معبرا لحج الحجاج الأفارقة عموما وخصوصا الراغبين منهم بالحج عبر سياراتهم، كما وسوف يسمح هذا النفق بتدفق جنود الجيش السوداني للمساعدة في حماية أمن المملكة إذا ما تعرضت لهجوم إرهابي أو لعدوان من عملاء بعض الدول الإقليمية.
| النفق بين السعودية والسودان سيتيح للمملكة العربية السعودية الحصول على الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي، والتي أعلنت إثيوبيا أنها ترغب في تصدير الكهرباء لدول الخليج العربي والدول العربية. |
وهذا النفق الذي سيربط السودان بالسعودية هو أكثر جدوى سياسية واقتصادية من مشروع آخر تم طرحه عن بناء جسر يربط بين سيناء المصرية والمملكة العربية السعودية؛ فذلك المشروع الذي يمر عبر جزر تيران وصنافير ينتهي بمنطقة سيناء التي تعاني من فراغ أمني حاد منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد حسني مبارك في 2011م، فرغم عشرات العمليات الأمنية التي شنها الجيش المصري للقضاء على الإرهاب إلا أنه لم يوفق حتى الآن في القضاء التام والمبرم على هذه البؤر، بالإضافة إلى مجاورة الجسر إلى دولة إسرائيل ومعروف أن هذه الدولة تقتات على الحروب والفتن مما يعني حدوث حرب.
وأن يستخدم هذا الجسر لتدفق اللاجئين نحو السعودية وبالتالي فإن كلام سمو الأمير محمد بن سلمان عن فائدة اقتصادية مرجوة من هذا المشروع أراها فائدة بعيدة جدا مقارنة بمشروع النفق بين السودان والسعودية والذي سيكون قريبا من الأراضي المقدسة، مما سيتيح تدفق سياحي نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة وأيضا سيتيح فتح التجارة بين المملكة العربية السعودية والدول الأفريقية.
و أيضا سيتيح للمملكة العربية السعودية الحصول على الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي، والتي أعلنت إثيوبيا أنها ترغب في تصدير الكهرباء لدول الخليج العربي والدول العربية بما فيها مصر التي تتخذ مواقف متشددة ضد هذا السد وهي قلقة من أن يؤثر هذا السد على حصتها في مياه النهر.
أعتقد أن فكرة توصيل مياه النيل يجب أن يتم دراستها جيدا عند متخذي القرار في السعودية لأن المنطقة تتجه نحو حروب مياه وتغيرات مناخية، والحصول على الأمان المائي والغذائي هو مسألة ضرورية من أجل سعودية قوية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

