شعار قسم مدونات

من يعيد الكاميرا لِسُلطة المُصوِّر؟

blogs- الكاميرا

"أسعد الله أوقاتكم"، "مع سيارتي الجديدة"، "من المطعم مع الدجاجة"، "سلفي والطاووس خلفي"، "أنا وصديقي متجهين لأداء صلاة المغرب" والكثير الكثير من العبارات التي تترافق يومياً مع كم هائل من الصور لتنتهك حرمتها، وتتعدى على السُلطة التقليدية للمصور، وعلى وظيفة العبارة ودلالة الفكرة، أين تلاشت سلطة المصور؟ وفي أي مكان يبحث المتلقي عن الفكرة؟ في صورة الناشر، أم في تلك العبارات المجتزأة المرافقة لها؟


كانت الصورة في السابق كمراسم الزواج، تحتاج إلى تحضيرات كثيرة من انتقاء الملابس الرسمية، وتصفيف الشعر، وتلميع الأحذية، والترتيب للخروج مع أفراد العائلة من أجل فرصة الحصول على صورة جماعية، ومن ثم اختيار استوديو التصوير الأمثل وانتظار الدور للتصوير.


في ظل وجود هذه الثورة الهائلة للمعلومات في العصر الحديث، قد يكون من المفيد جداً لو أعدنا الكاميرا لسلطة المصور، علَّ المواطن العربي يتَّجه إلى الاهتمام بالمعلومة وتلقيها ونشرها عوضاً عن اهتمامه بالصورة المشتتة.

وعندما تحين لحظة التصوير وجب اختيار خلفية لصورة بحر، أو غابة والوقوف في المكان المحدد أمام ومضة أضواء الفلاش، للحصول على صورة ذات ألوان براقة وإضاءة كافية حسب لون البشرة.


لم يكن هناك مجال للخطأ وإعادة الصورة، يجب أن تكون الابتسامة وارتفاع وميلان الرأس واتزان الوقفة أو الجلسة كلها مثالية؛ فالصورة الأولى هي الأولى بمعزلٍ عما إن كانت جميلة أم لا، فذلك لا يمكن معرفته إلا بعد عملية "التحميض" للحصول على نسخة ورقيةٍ منها، لذلك كانت للمصور سلطة حصرية للتصوير، وكان من أراد الحصول على صورة يُنفِّذ أوامره بحذافيرها لتخرج جميلة، ولا يضطر لإعادتها ودفع تكاليف إضافية.


الآن أصبحت الكاميرا رفيقة الإنسان في كل لحظة، وأصبحت الصورة نشاط روتيني يومي لكل شخص بغض النظر عن المهنة أو الجنس أو العمر. الطبيب يتصور في غرفة العمليات مع المريض أثناء الجراحة، المدرس مع الطلاب، حارس العمارة مع السكان، القاضي مع المتهم، الراعي مع الأغنام، التاجر مع الزبائن، الفلاح مع البستان، المعتمر مع الحرم وسائر المعتمرين.


لم يعد للمصور تلك السلطة التي تجعله يحدد مكان وزمان وقفتنا، واتجاه وانحناءة رأسنا، وعرض وطبيعة ابتسامتنا، والخلفية والإضاءة التي تناسب لوننا، أصبحنا نلتقط الصورة في أي وقت، وحال، ولباس، ومكان نشاء، بصرف النظر عن جوانب الجمال والتوازن فيها، فكانت النتيجة دماء مع صورة الطبيب، مقاعد مكسورة خلف المدرس، درج متسخ تحت أقدام سكان العمارة، القاضي والمتهم سوياً، الراعي يبتسم والأغنام شاردة على الطريق السريع بين السيارات، الميزان مائل بجانب التاجر، الفلاح مبتسم وبستانه تغزوه الأشواك، الرداء ساحل عن جسد المعتمر وحوله معتمرات ظهرن في الصورة دون علمهن!


لم يكتفي رواد ومهوسي الصورة حديثاً بإحداث هذا الاختلال في التوازن الذي كان قائماً بسلطة المصور، وإنما أخذوا ينشرون الصور اللا متوازنة في كل وسيلة متاحة من وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقةً بعبارةٍ مجتزأة، تتصفح صفحة أحدهم فلا تجد إلا الصور فقط، بالإضافة لشبه عبارةٍ هنا وهناك.


"يوم سعيد"، "مع جارتي الجديدة"، "مع صحن ورق العنب"، "سلفي وبيت النمل خلفي"، "أنا وصديقي والكرة".. أين الفكرة!؟


يبدو أن غياب مفهوم الفكرة جزء من عقلية الناشر والمتلقي سوياً. في جولةٍ سريعةٍ عشوائيةٍ على صفحات مشتركي الفيسبوك، نلاحظ أن المنشورات التي تحتوي على صورة مع عبارة مجتزأة بلا فكرة تحصل على عدد إعجابات أكبر من المنشور الذي يحتوي على فكرة، وإن كانت قيّمة! أصبحنا نهرب من الفكرة إلى الصورة، ومن اللب للقشرة، منشوراتنا سطحية، وكذلك قراءاتنا واهتماماتنا، وبالناتج ثقافتنا.


في ظل وجود هذه الثورة الهائلة للمعلومات في العصر الحديث، قد يكون من المفيد جداً لو أعدنا الكاميرا لسلطة المصور، علَّ المواطن العربي يتَّجه إلى الاهتمام بالمعلومة وتلقيها ونشرها عوضاً عن اهتمامه بالصورة المشتتة.