ما هو هذا الوطن الذي ما يلبثُ معلم التاريخ أن تلمع عيناه في كل مرة وهو يسرد لنا كيف عبرنا خط برليف المنيع، وقهرنا العدو في ست ساعات، وكيف استعادت قواتنا تراب هذا الوطن.. كبُرت وكبُر معي ذلك السؤال الذي سرعان ما التفت حين جلست مع أبي ذاتَ مساء وبادرته قائلاً.. يا أبي ما الوطن؟
| هذا هو الوطن بُني تحبه، وتفديه بروحك ودمك وولدك، دون أن يحتاج ان يقدم لك سبباً لتحبه، يكفيه فخراً انك حين تٌسأل في بلد أجنبي من أنت؟ لا تقول أنا فلان بن فلان، بل من الوهلة الاولى تنسب نفسك للوطن فتقول: أنا مصري، أنا فلسطيني، أنا سوري أنا يمني. |
أعتدل في جلسته، وأصلح من هندامه، ورفع رأسه وقال: اعلم يا بُني أن هناك انتماء ووطن، كلاهما واحد يجتمعان ولا يفترقان، أما الانتماء يا ولدي فيكون لكل قطعة أرض يرفع فيها الأذان، ثم تُقام عليها الصلاة، فلا حدود ولا تراب، ولا سهول ولا هضاب، ولا بحار ولا محيطات، تَحُول بينك وبين انتمائك لكل ديار الإسلام، بل حيثما وليت وجهك فول وجهك أولاً شطر حدود ذلك الانتماء قبل تقسيمات الجغرافيا وتضاريس التراب.
ولك في سيدنا بلال خير قدوة ومثالا.. قلت كيف يا أبي؟ قال: سيدنا بلال عبدٌ حبشي قادم من بلادٍ غير بلاد المسلمين، عاش في مكة قبل الإسلام مملوكاً لأمية بن خلف، فلما بَعث الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، آمن بلال ودخل في الإسلام، ولقي جزاء إيمانه أشد ألوان العذاب حتى أذن رسول الله للمستضعفين بالهجرة إلى الحبشة – موطن ميلاد بلال – فهاجر من هاجر وبقي بلال، فلما سُئل لِم لَم تعود إلى أرض الآباء والأجداد؟ قال وطني هنا -أي في مكة- هنا أحيا وهنا أموت، ولئن جاءت الحبشة تغزو أرض الحرم والعرب والمسلمين لأقاتلنهم قتالاً لم يشهدوا مثله.. لأن بلالاً يا ولدي أدرك حقيقة الانتماء الذي يكون للدين قبل الطين.
وهذا نموذج أخر للحنين للوطن لما مُنع المسلمون من دخول مكة معتمرين وقت صلح الحديبية، وقف بلال على حدودها يشتم نسم هوائها العليل، وأنشد حنيناً أبيات تسيل رقَّةً وتقطر حلاوةً:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بوادٍ وحول إذخر وجليلُ ::: وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ وهل يبدون لي شامة وطفيلُ؟.
فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم جرى دمعه حنينًا إلي بلد الله الحرام وقال: "يا أصيل دع القلوب تقرّ".
هكذا يكون الانتماء لدار الاسلام على اتساعها، يكون لفلسطين ومدنها، والسودان وأنهارها، وبلاد الحرمين ووديانها، واليمن وجبالها، وسوريا وجولانها، كما هو للقاهرة وشوارعها سواءً بسواء، حتى أنه إذا اشتكى قطر من أقطار المسلمين تداعى له سائر الأقطار بالدفع والنصرة. الانتماء يا ولدي يكون للدين أولاً فهو الجنسية والعنوان.
فأينما حللّت في أرض من أراضي الإسلام تكون كأنما حللّت في موطن الميلاد، وكيف لا وأنت تنتمي لوطن إسلامي وعربي، يمتد من أطراف حدود الصين شرقاً، إلى أخر حدود فرنسا غرباً، ومن طنجة في بلاد المغرب شمالاً، انتهاء بالسند وبلاد ما وراء النهر جنوباً. هكذا يكون الانتماء وهكذا يجب أن يكون.
أما الوطن الذي فيه نحيا وأختاره الله لنا فهو تلك البقعة الأولى التي فيها نشأت، وعلى أرضها مشيت، ومن خيراتها أكلت، وفِي مدارسها وجامعاتها تعلمت، وفِي مشافيها تطبّبت، الوطن يا بني هو ذكريات الطفولة، وزملاء المدرسة، وجيران الشارع، ورجال البلد، وحاضر الْيَوْمَ ومستقبل الغد، نرتبط بالوطن يا ولدي كرابطة القلوب بين الأسرة الواحدة، يجتمعون فيه فيَجمعهم ويقربَهم ويضمَهم، فتجد ثقافة واحدة، ولغة واحدة، ومشاعر واحدة، نفرح بتقدمه ورفعته ونصره، ونحزن لتأخره وهزيمته وضعفه، واعلم كذلك يا بُني أنك لن تجد حراً يُبغض وطنه إلا كان عديم الأصل، قليل المرؤة، ليس له به نسبٌ أصيل بل دخيل عليه مبتور.
ألا ترى يا بني كيف يذهب الجميع حيث الدنيا على اتساعها، ولكن عندهم أمل يجمعهم أن الوطن هو الملتقى حتماً في يوم من الأيام.. يوصي أحدهم ولده وهم في الشتات بأن الوطن ميراثه هو لحمه ودمه وعرضه، فيٌولد الصبي بن فلسطين في الاْردن والقلب يهيم شوقا في شوارع الخليل، ويحيا الفتى السوري بتركيا وقلبه معلق بشوارع دمشق، وتكبٌر الفتاة المصرية ببلاد غير المسلمين، وحنينها دوماً لشوارع القاهرة وهي التي لم تٌبصرها يوما.
هذا هو الوطن بُني تحبه، وتفديه بروحك ودمك وولدك، دون أن يحتاج ان يقدم لك سبباً لتحبه، يكفيه فخراً انك حين تٌسأل في بلد أجنبي من أنت؟ لا تقول أنا فلان بن فلان، بل من الوهلة الاولى تنسب نفسك للوطن فتقول: أنا مصري، أنا فلسطيني، أنا سوري أنا يمني.
أخيراً يا ولدي إذا فهمت معنى الانتماء على حقيقته يصبح لك وبك وطنك على حقيقته.. فالحمد لله على نعمة الانتماء والشكر لله على نعمة الوطن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

