شعار قسم مدونات

ما أحوج الجمهور إلى شيء من الاحترام

blogs - الإعلام
كان ستيف جوبس يخلق دائما الحدث عند إطلاق أي من منتوجات أبل، ليس فقط بجودتها العالية، بل بشرحه التفصيلي والمبسط، كان لا يكتفي في عرضه بقول إن منتجه ممتاز أو سيجعلك سعيدا، بل كان يشرح التفاصيل التقنية للهاتف وخصائصه بطريقة مبسطة تجعل من المستهلك العادي ملما بما كان يفهمه المتخصصون فقط. كان نوعا من احترام ذكاء الجمهور وقدرته على الاستيعاب، مما جعل نجمه يسطع في عدة مجالات وألهم بعده ملايين البشر.

لقد ولى زمن التعالي على الجمهور والمتلقي وتجاهله. فقد تطورت نظريات التواصل القديمة التي كان تركز في طرحها على الرسالة والمعلومة أولا، وأصبح التركيز منصبا على الجمهور والمتلقي على أنه مركز العملية التواصلية وجوهرها، مما مهد إلى ثورة في مجالات الإعلام والتسويق. وانتشر الوعي لدى المجتمع الغربي خاصة، بضرورة تمثيل أفضل لتعددية الجمهور وتنوعه، والتقرب أكثر فأكثر من لغته وثقافته واهتماماته. في حين ما زالت العديد من وسائل الإعلام العربية تمثل فقط فئة ضيقة من المجتمع وتهمش تنوع تياراته، الشيء الذي لا يشبع الحاجة الملحة لشعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتمثيل تنوعها وغناها.

إن تبسيط الخطاب الإعلامي لكي يفهم من قبل أكبر شريحة من الجمهور، هو أمر ضروري لنشر الوعي لدى كل فئات المجتمع، أما مخاطبة الناس بلغة معقدة هو تمييز تستفيد منه القلة القليلة. فأغلب المفاهيم يمكن تبسيطها باستعمال الوسائل التكنولوجية المتاحة والإبداع اللازم. فالعديد من القنوات الإعلامية تخصص حيزا لشرح الأحداث برسوم بيانية وتبسيط الأحداث السياسية والاقتصادية وغيرها للعموم. ويمكن متابعة كيف أن بعض الشباب على موقع يوتوب أبدعوا في شرح كثير من المبادئ المعقدة كمفاهيم الاقتصاد الكلي وتحرير العملة والعديد من النظريات العلمية، ولاقت مبادراتهم نسب تجاوب كبيرة وملايين المشاهدات.

قرأت لطالب أميركي يدرس العربية في إحدى دول شمال أفريقيا، كيف كان الأساتذة يبدعون في تعقيد أبسط المفاهيم للطلبة لتحقيق هيبة مصطنعة، تفسد للتعليم رسالته.

ويتجلى احترام الجمهور في نقل الأحداث والأخبار بموضوعية وحيادية. فقد صار المواطن في عصر وسائل التواصل الاجتماعية يحصل على المعلومة بسهولة، إذ لا داعي لحجب المنابر الرسمية للأحداث وتشويهها أو تحجيمها. ومن الأفضل احترام ذكائه لأن التضييق على المعلومة يحرك فيه الاضطراب ويشجع على انتشار الأخبار المزيفة التي تحدث البلابل. فلم لا نمده بالأخبار بمهنية ونترك له المجال لينسج موقفه بدون حجر.

لقد انتشر لدى كثير من الأساتذة والمحللين والسياسين وحتى الإعلاميين من مجتمعنا استعمال خطاب فوقي لاعتقادهم أن ذلك يكسبهم تقدير الجمهور، فكم من مرة كنت أستمع إلى تصريحات على التلفاز تصلح لكي تكون محاضرة في سلك الماجستير لطلبة متخصصين أو مداخلة عند نقاش أطروحة دكتوراه. وقد قرأت لطالب أميركي يدرس العربية في إحدى دول شمال أفريقيا، كيف كان الأساتذة يبدعون في تعقيد أبسط المفاهيم للطلبة لتحقيق هيبة مصطنعة، تفسد للتعليم رسالته. 

إن الثورات التي عرفتها مناطق شاسعة من الشرق الأوسط أثبتت أن لا مجال لاحتكار المشهد الإعلامي. ومن الأفضل أن يكون الإعلام مرآة لواقع المجتمع وتطلعاته ولفتح نقاشات تغني المواطن عن العنف وأهواله.