شعار قسم مدونات

قانون الإزاحة في مواجهة الخصوم

blogs - الإزاحة السياسية

اشترك علم الرياضيات والفيزياء في تعريف معنى الإزاحة، واتفق العلمان بأنها "قيمة اتجاهية تمثل المسافة بين نقطتين" أي أنها قيمة واتجاه في نفس الوقت وبهذا استقر في نفوسنا ونحن طلاب أن أي جسم يحدث له إزاحة فهو يقع تحت حساب مقدار المسافة التي تحركها وأيضا في أي اتجاه كانت هذه المسافة. والحقيقة يا سادة أن قانون الإزاحة قد تم استخدامه وما زال في صنوف عديدة من التصرفات سواء كانت لأنظمة أو لمؤسسات وجماعات بل حتى على مستوى الأفراد.

ومع الإقرار التام بحقيقة الإزاحة من الناحية العلمية إلا أنها اختلفت عند تعاطيها في تصرفات الأنظمة والمؤسسات والأفراد بمفهوم "نية الإزاحة" وهذا ما لم يتطرق إليه علم الرياضيات ولا الفيزياء فإن العلم المجرد لم يتطرق إلى نية من أزاح الجسم ولكن في عرف السلوك البشري والتصرفات تظهر النية من الإزاحة.

وفي الحقيقة أن أول من استخدم قانون الإزاحة كان فردا وليس نظاما أو مؤسسة وهذا جليا في قصة قابيل وهابيل، فقص القران الكريم لنا قانون الإزاحة في هذه القصة العجيبة وسطرت لنا الآيات اول من قتل وأول من مات وأول حالة دفن تتم على وجه الأرض "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" كان هذا نتيجة رغبة جامحة لدى قابيل في إزاحة أخيه لينعم بالزواج من أخته مزيحا لخصمه في التنافس، وكان هذا على سبيل السلوك الفردي.
 

الإزاحة التدريجية تنشأ من خلال نشر الشائعات وتعمد التشويه الدائم، والتخويف المستمر للشعوب بخطورة الخصم المراد إزاحته وهذا ما تم تنفيذه بالفعل مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر إبان حكمهم للدولة

وأما ما فعله فرعون من رغبته من إزاحة موسى وأخيه فهو تصرف نظام وليس فرد وهذا جليا في قوله تعالى " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ " وبعد هذا القصص الرائع المثبت لقانون الإزاحة نجد أن كافة الأنظمة المستبدة لجأت إلى هذا النوع من التصرف ليبقوا متألقين بلا خصوم وهنا تبرز أنواع عدة لقوانين الإزاحة من أهمها:

 * الإزاحة السياسية 
قانون يلجأ إليه أصحاب الأنظمة القمعية لينفردوا بالحكم رغم إمكانية تعايشهم مع الشعوب إلا أنهم يلجأون لهذا القانون تخلصا من الخصوم ورغبة في الاستئثار بالأرض وما عليها .وحتى يتم هذا النوع من الازاحة ويؤتي أكله فإنه يعتمد على عدة أساليب:

أولها: الإزاحة التدريجية 
من خلال نشر الشائعات وتعمد التشويه الدائم، والتخويف المستمر للشعوب بخطورة الخصم المراد إزاحته وهذا ما تم تنفيذه بالفعل مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر إبان حكمهم للدولة، تدرج التشويه والإشاعات حتى اكتملت صورته وانقلب المستفيدون من بر الإخوان ليأكلوا من لحومهم كما أكل غيرهم، وما ظهور الماكرثية في أمريكا في هذا الباب ببعيد والتي تعني صناعة الخوف وتشويه الخصم وشيطنته؛ مستخدمين التشهير وإلصاق التهم الغير منطقية والغريب أنها حظيت بتأييد شعبي أمريكي في بداية نشأتها حتى وصل المؤيدون لها إلى 52 بالمائة ومن أشهر من ساندوا هذا الفكر كينيدي نفسه قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية 

ثانيها: الإزاحة الخشنة 
وهي اعتماد العصا الغليظة كحل بديل عن التدرج وفي هذه الحالة تكون الإزاحة قوية، وقد تواجه بمقاومة نابعة من الدوائر المحيطة للفريق المزاح متى كان الفريق المزاح له أرضية صلبة في الشارع السياسي .

ثالثها: الإزاحة المرنة 
وهي قائمة على مرونة التصرف وعقد صفقات متتالية مع الفريق المزاح بهدف السيطرة عليه والتحكم فيه وهنا قد يوافق الفريق المزاح على الإزاحة راضخا، بهدف الإبقاء على ما تبقى له من نبض العرق السياسي على الساحة والاحتفاظ بالتواجد ولو شكليا.

* الازاحة الفكرية :
هذا النوع قد تتعمد استخدامه مؤسسات وجماعات وجهات وليست دول بهدف التفرد بالتوجيه وكسب الأنصار ببؤرة تواجدها، وأحيانا قد تنتهجه المؤسسة ذاتها تجاه بعض أبنائها بهدف صفاء الاتباع لها وسيطرتها على الوضع القائم مهما كان به عوار قد يعصف بها؛ هذا النهج من التصرف قد تكون المؤسسات به معذورة متى كان العنصر المزاح ساعيا للإفشال ومعوقا للأعمال ويسمى العنصر هنا 

(بالسرطان الفكري) والذي يصل إلى ضرورة الاستئصال الفوري وإلا دمر الجسد بأكمله .
ولكن يا سادة ما رأيكم لو أن العنصر كان خالص الفكر مبدعا دوما .أيعقل أن تكون الإزاحة هي الحل ؟؟؟؟

إزاحة الإبعاد : وتعتبر العصا الغليظة عند الإزاحة الفكرية؛ وهي أن تصدر المؤسسة قرارا بإبعاد العنصر على الفور مهما كان صلاحه وفكره ورؤيته وهذا النوع قد استخدمه مجلس قيادة ثورة 1952 في مصر مع الرئيس محمد نجيب

يا سادة إن الفكر الصحيح والدائم يوصل صاحبه إلى الإبداع، والمبدع دائما دائرته خارج الإطار وسابق الخطى عن نظرائه وهنا يظهر (الثراء الفكري) للمؤسسات متى استوعبت هذه العناصر، إن مثل هذه العناصر إن لم تستوعبه المنظومة وتستفيد من نماء فكره فإن النتيجة لهذا سيكثر نقده وتكثر أطروحاته ويعمد إلى تمريرها بطرق غير تنظيمية بل يعتبر نفسه مؤسسة بمفرده مما قد يشكل عبئا على المؤسسات الساكنة فتتصوره خصما وتصنع له خطورة وهمية، وترسم له صورة ذهنية في مخيلة قادتها وربما تسربت إلى أذهان الاتباع فتكون الإزاحة إذا هي البديل وبالتالي تفقد المؤسسات خيرة أبنائها . 

وكما أن للإزاحة السياسية أساليب فان الإزاحة الفكرية تحوي أيضا أساليب ومنها :

أولها: إزاحة التحجيم :
وتعتمد فيها المؤسسات على تقليل الأنصار حول العنصر المزاح وتكسير دوائر الاحتكاك بين العنصر والأخرين . مما قد يسبب الاختناق التام للعنصر فيلجأ إلى الانزواء ويتوارى شيئا فشيئا ليخرج من المؤسسة راضيا ولكنه ليس مرضيا عنه. وهذا ما تعمدته قريش مع النبي (ص) عندما كانوا يبعدوه عن الاحتكاك بقوافل الحجاج ومحاولة فض الناس من حوله. 

ثانيها: إزاحة الإبعاد :
وتعتبر العصا الغليظة عند الإزاحة الفكرية؛ وهي أن تصدر المؤسسة قرارا بإبعاد العنصر على الفور مهما كان صلاحه وفكره ورؤيته وهذا النوع قد استخدمه مجلس قيادة ثورة 1952 في مصر مع الرئيس محمد نجيب؛ عندما أحسوا برغبته الحقيقية في الإصلاح السياسي ولكن فاجأه عبد الناصر بعد حادث المنشية فكان الانقلاب الخشن عليه، ومن ثم إبعاده عن المجال برمته .

والسؤال هنا متى يتفهم أصحاب الحق الأصيل قوانين الإزاحة التي تمارس ضدهم؟ وما هي خطتهم لإفشالها؟ ومتى يستوعبون العناصر البناءة داخل مؤسساتهم؟