في معاني الحب

blogs الحب

لم يكن الحب يوما مفهوما مجردا، منفردا بذاته عن باقي المعاني الأخرى، بل كان ومازال مزيجا من المعاني السامية، التي تسمو بصاحبها وترقى به في سلم الأحاسيس الراقية. يُعرِّف الكثيرون الحب على أنه نار مشتعلة، أو قنبلة موقوتة، قد تنفجر في أية لحظة، مخلفة آثارا وأضرارا جسيمة.. لطالما كنت متفقة مع هذا التعريف، فهو الأقرب في نظري لِما يسمى حبا، ذلك اللحن الجميل الهادئ الذي سرعان ما يتحول لمعزوفة صاخبة تصم الآذان.

لطالما اعتبرت الحب كذبة! فما يُرَوَّج عنه ويُسَوَّق له أعفانا من مشقة التجربة، أو حتى المحاولة، فما الفائدة من التأكد من أمر هو في الأصل لا وجود له! لا أظنني الوحيدة التي اقتنعت بالفكرة، فكثيرون هم من يملكون نفس الاعتقاد، وإني في الحقيقة لا ألومهم ولا ألومني، فما الحب إلا وعاء يحتوي مجموعة من المشاعر الأخرى، ليست أقل شأنا منه، لكنه يصير بلا شأن إن أُفرغ منها، والظاهر أننا سعينا وراء امتلاك الوعاء ذو الشكل المثير، فلما وجدناه فارغا، اتهمناه بالكذب والبهتان ورمينا به جانبا.

إن الحديث عن الحب يدفعنا بالضرورة إلى الحديث عن الثقة، فهي جوهر الحب وأساسه، وهي من تعطيه شرعية وتكسبه مصداقية لا متناهية. فكيف للعبد أن يحب ربه إن لم يثق به، ويؤمن بأنه سبحانه وحده المستحق للعبادة، وأنه وحده القادر على أن يرزق ويهدي ويحفظ ويستر ويُنجي ويرحم.. ما كان له أن يحبه لولا أنه وثق أن وعده الحق. 
 

الاحترام لا يعني بالضرورة الاتفاق، فقد أختلف معك في أمر لكنني سأحترمك، لأني بالتأكيد سأتفق معك في أمور أخرى عدة. وقد توجهني لما لا، إن رأيت أني على خطأ، وترشدني إلى الصواب، فذاك ما سيدفعني لأحبك

والإيمان أيضا شرط لقيام الحب، فمن لم يؤمن بذاته، وبأنها قادرة على النجاح، ويؤمن بإمكانية وصوله لما يطمح له، لم ولن يحب ذاته هذه أبدا. أما عن ثالث قيمة تملأ وعاء الحب، فهي الاحترام، وحديثي هنا عن احترام الذات، واحترام الآخر، بكل مكوناته، أي احترام أفكاره ورغباته وميوله وخصوصياته.. في مقابل الاستهانة والاستهزاء أو التقليل من قيمه. فلا أجد تفسيرا لصديق يَدّعي أنه يحب صديقه، لكنه في الوقت نفسه يسخر منه أمام أصدقائهم الآخرين في محاولة لإثبات ذاته، ويستهزئ بأفكاره وأقواله، دون مراعاة منه لمشاعر صديقه الذي صدّق أن الأول يحبه.

والاحترام لا يعني بالضرورة الاتفاق، فقد أختلف معك في أمر لكنني سأحترمك، لأني بالتأكيد سأتفق معك في أمور أخرى عدة. وقد توجهني لما لا، إن رأيت أني على خطأ، وترشدني إلى الصواب، فذاك ما سيدفعني لأحبك. وما دفع قوم محمد صلوات ربي وسلامه عليه لحبه، سوى أمانته وصدقه، حتى لُقب بالصادق الأمين، فهو الذي لم يخلف وعدا، ولم يخن أمانة، ولم يشهد زورا، ولم يقل افتراء. فما كان من قومه الذين أحبوه إلا أنهم اتبعوه، وآمنوا به، ووثقوا به.

 

يقال بأن الإنسان عدو ما يجهل، في المقابل إذن هو صديق ما يعلم، فكلما زادت معرفتنا بالشيء زاد تقربنا منه، وازددنا له حبا، خصوصا إن عرفنا جانبه المضيء منه والمظلم، وعرفنا مزاياه وعيوبه. فالمعرفة الحقة هي شرط أيضا لقيام الحب.

يصف البعض الحب بكونه "أعمى"، هو في الحقيقة أبصر مما نظن، إذ أننا لن نتأكد من حبنا لشخص ما، إلا عندما نخترقه ونفتش خباياه، ونكتشف أسراره ومخاوفه ونقاط ضعفه، ونتجول بين صفحات ذكرياته ونأخذ لمحة عن ماضيه، وحاضره، وما يخطط له في مستقبله، لن نتأكد من حبنا إلا عندما نعرف مساوئه قبل محاسنه، وضعفه قبل قوته. أما عن "الحب الأعمى" فهو ذاك الذي تحدثنا عنه في البداية، من يحرق صاحبه فور اكتشافه للحقيقة التي غابت عنه، هو تماما ذاك الذي تصوره لنا الأفلام وتحكيه المسلسلات.
 

لا يسعني إلا أن أهنئ من مُلأ وعاؤه حبا، لأنه امتلك السلاح الذي به سيواجه العالم، واكتشف الترياق الذي سيشفي كل أمراض النفوس

ولعل قوله تعالى "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً" في سياق حديثه عن الأزواج، يرشدنا إلى ما يملأ وعاءنا، فالزوجين اللذان تجمع بينهما رحمة ومودة، لن تفرق بينهما أية مشاكل أو خصومات. ولولا أن الله سبحانه جعل في كل طرف فراغا وافتقارا وحاجة إلى الطرف الآخر، لما رأينا زوجين على وجه الأرض. فكل طرف فيه نقص وحاجة إلى الطرف الآخر، فإذا التقيا كان الانسجام وكانت السكنى، وسكن إليه غيرَ سكن عنده وغيرَ سكن فيه، سكن إليه أي ارتاح له وألفه واطمأن له، وبذلك يتحقق الغرض الذي من أجله خلق الله عز وجل الأزواج "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا".

إن اجتماع كل هذه القيم وامتزاجها، يكسبنا قيمة الحب، كما أن فهم هذه المعادلة، يدفعنا للبحث عن الحب، وهو في الحقيقة بحث عن الحياة. وهنا تحضرني مقولة د. سلمان بن فهد العودة "في اللحظة التي تملك فيها داخل قلبك الإحساس بالحب.. سوف تكتشف أن العالم قد تغير بالكامل". ولا يسعني إلا أن أهنئ من مُلأ وعاؤه حبا، لأنه امتلك السلاح الذي به سيواجه العالم، واكتشف الترياق الذي سيشفي كل أمراض النفوس.