صندوق الاقتراع وفنتازيا الامتناع

blogs جامعة النجاح الوطنية

إن رصيد الديمقراطيّة الحقيقي لأي جمهور لا يقتصر على صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعيهم الذي يصنع النجاحَ فوق جحافل الجهل، ثم يعزّزُ باقةَ النجاحاتِ جلّها لتكون أبعاد حضارةٍ سرمدية منتظرة ولو كانت بعد حين.. والحضارةُ ما هي إلا محرَك الدولة نحو رحلةِ النمو فتكون عظيمةً رفيعةً كطيف الربيع بكافة ألوانه التي يراها القاصي والداني.

إن الأذرع الطلابية التي تعمل على قدمٍ وساق في أروقة الجامعات العربية وغير العربية ما هي إلا وليدة أحزاب سياسية تتنفس لثلاث أهداف: أولهما خدمة طلابية لنكون نحن المُستفيدون جميعاً قادرين على تحدِّ الحاضرَ لنرسم المستقبل، والثاني إقناع الطلبة الذين هم جزءٌ أصيل من مكوّنات الشعوب وخزّان احتياط المستقبل بمبادئٍ وأفكار وأيدولوجيات الأحزاب، ثم بعد ذلك تحقيق صور المسح الاجتماعي السياسي ثالثاً، والصورة عندما تُرسم تحتاج إلى فكرة، ريشة، ولون، ليكون المُخرج مادةً يحاجَجُ بها البقية بمعناها لا بمظهرها، والفكرة هنا هي "الحزب"، الريشة هي "المؤيدون" و"النزاهة" هي اللون.

لنكن حكماء المنطق لوهلةٍ، بعيداً عن غلو مُفرط في الشوفينية التي ترفع من بعضنا وتحطّ من الآخر، متنازلين عن العقول الزئبقية البائسة التي لا تتجارى مع الواقع، مقتنعين كامل القناعة أن الخطاب الفكري بمبادئه التي تُحدد معالمَ المستقبلِ وجغرافيةَ الأفقِ أسمى من كل المناكفات التي هي كزَبَدِ الماء الذي يذهب جُفاءً أمام ما ينفع الناس.

لا خسارة حتمية ولا فوز مطلق، هي معادلة المنطق في باحات الدنيا التي يلوب فيها الكثير من المعطيات والمصالح، إلا أن للتنافس الشريف لوغوهات وأبعاد شأنها أن تصقل الأجيال الناشئة بثقافة الممكن التي طالما كانت مصنعاً لإعادة إنتاج الفكر النهضوي بين دهاليز العطاء

لم تمضِ سوى سبعة أيام على انتخابات مفصلية كانتخابات مجلس اتحاد الطلبة في جامعة النجاح الوطنية، تلك التي تشكل "سبكتروميتر" لطيف السياسة ومستقبل حُكم الأحزاب في مكتب الوطن… قضت تلك اللعبة الاقتراعية وشاء الجمهور أن يولّي الأقدر على حمل الرسالة بمحكمةٍ طلابية عادلة بفارق سبع مقاعد كانت من نصيب الحركة الديناميكية التي لا ينكر تفاصيلها أي منّا مهما كان موافقاً أم معارضاً.

لا خسارة حتمية ولا فوز مطلق، هي معادلة المنطق في باحات الدنيا التي يلوب فيها الكثير من المعطيات والمصالح، إلا أن للتنافس الشريف لوغوهات وأبعاد شأنها أن تصقل الأجيال الناشئة بثقافة الممكن التي طالما كانت مصنعاً لإعادة إنتاج الفكر النهضوي بين دهاليز العطاء، لا سيما أن القراءات التحليلية الصحيحة والنقد البنّاء الهادف يجب أن تؤخذ على محمل الجدّ لتُحلّل، ثم تُدرّس ليكون التاريخ تجربةً، والإنسان الذي لا يشرب بئر التجربة يموت ظمآناً في بحور الجهل.

لو تحدثنا بلغة الأرقام والنِسَب وغصنا قليلاً بخصوص الممتنعين عن الإدلاء بأصواتهم الحرة لوجدنا أن نسبتهم من مجموع الطلبة بلغت 48 بالمئة أي ما يقارب عشرة آلاف طالب وطالبة، وهذا رقم كبير يمنح حاسم المرحلة والذي له الحق بتشكيل مقاعد مجلس اتحاد الطلبة كاملةً بنفسه أملاً تارةً وألماً أخرى، لذلك لا بدّ من أن نمتشق زمام المبادرة لدراسة المعادلة سيكولوجيا، وأنا على قناعة مسلّم بها أن الممتنع له مطالب من المتفق عليه شعبياً وليس معارض له، وشتّان ما بين الأولى والثانية، فيقول بطريقة أو بأخرى "نحن هنا"، لذلك يجب تبنّي خطة استراتيجية ذكية جداً شأنها أن تكون مرضية راضية للجميع ويُحتَمى فيها من المشككين، ثم نكون بعد ذلك في ميدان المبدعين وليس في إطار الفائزين فحسب، وتبقى الشبيبة الطلابية كبقاء الزيتون والزعتر حاضنةً لكل جميل وأسطون الأمان الذي يرتكز عليه الكثيرون من شرفاء الفكر والمظهر. 

هنا إبريل العظيم يا عزيزي، وبدايات الورود التي تنتشر فيها عبق الأمل المحمود، ثم صيحات أوتار جمعهم الكبير الذي يحجب كل شيء سوى لون العلم الذي تغذيه شمسنا الذهبية لتهدي الأرض صفاراً يانعاً تحيى به عصافير الحرية.. فتخرج تباعاً لتقول فلتُمجّد ديمقراطية فلسطين السوية.