شعار قسم مدونات

رسالة إلى جف

blogs - ديانات
عزيزي جف:
التقينا مرتين من قبل في الندوة التاسعة والعاشرة لحوار الأديان من أجل السلام، لكننا لم نتحاور إلا قليلا، لأننا كنا مشغولين بالمداخلات والترجمة، وأنا بطبيعتي أتحاشى الناس المشغولين ولا أحب أن أحرجهم ولا أن أضيق عليهم، ولا شك أننا سنكون مشغولين في هذه الندوة أيضا، ودعوتنا إلى مراسلتك فحملت قلمي وقررت أن أكتب لك هذه الرسالة التي أريدها أن تكون صريحة قوية دون مهادنة ولا مواربة، أقول فيها ما لا أستطيع أن أقوله في المحاضرة التي اشترط المنظمون ألا يكون الكلام فيها إلا ودياً خالصا، كأن الود والصراحة والحقيقة أضداد لا تلتقي! فإن أعجبتك رسالتي فسيكون ذلك من أسباب سعادتي، وإلا فإن الكرة الأرضية ستكون قد خسرت عشرة أوراق كاملة!

عزيزي جف:
أنت مواطن أميركي، وهذا يعني لي الكثير من الأمور في ضميري وضمير العالم كله، منها السلبي الذي لن أذكره في هذه الرسالة الودية، لأني أظن أنك والسيدة جانت، والوفد كله، تمثلون أنبل ما أنتج المجتمع الأميركي من رجال ونساء، وتمثلون ضمير المجتمع الأميركي وروحه الوثابة التي تحاول أن توقف أو على الأقل تحد ما فيه من نزعات تسلطية على العالم كله، ولكن فيه أيضا من النقاط المضيئة الكثير!
إن أمريكا تمثل لنا القوة والشجاعة والذكاء والجد والبراغماتية والنظام والنفسية العالية التي لا ترضى إلا بالصدارة دائما وفي كل شيء، في الفضاء والعلوم والألعاب الأولمبية والفن والسينما والتكنولوجيا والأدب وكل شيء!

علم الاجتماع يقول إن الحركات الإصلاحية تكون في بدايتها صادمة ومحتشمة، ولا تقدر المضي بإصلاحها لغايتها. وها نحن اليوم بعد مرور 470 سنة من وفاة لوثر نشعر أننا بحاجة لإصلاح جديد.

وأعظم ما يعجبني في الأميركيين أنهم أخذوا أحسن ما عند الإنسانية من علوم ومعارف وقيم، فبنوا بها مجتمعا جديداً منطلقين من الصفر حتى لحقوا من فاتهم وتفوقوا عليهم وأصبحوا سادة العالم بعدما خاضوا لأجل ذلك حروبا مريرة: حرب الاستقلال في الداخل والحروب ضد النازية في الخارج! وها نحن نعيش في عصر يمثل من جهة أرقى ما وصلت إليه البشرية من رقي وتقدم، لكنه يمثل من جهة أخرى أدنى ما وصلت إليه الإنسانية من انحطاط أخلاقي وانهيار اجتماعي بما تميز به هذا العصر من قتل وتهجير وحروب بعضها بلا سبب أو هدف وانتحار وتمزق أسري ومخدرات وتيه!

ولعل من أسباب ذلك الانحطاط الفصام النكد الذي وقع بين الدين والمدنية في العالم، حتى خرج الدين من حياة الناس وأخرجوه هم من نظمهم وتشريعاتهم وتصوراتهم للكون والحياة، بسبب ما رأوا في الدين من تناقض مع العلم والحياة العصرية، وتبريره إبان العصور الوسطى للملكية الطاغية في أوروبا وتحريمه للعلم والبحث وتقريره لحقائق تصادم العلم مصادمة تامة.

عزيزي جف:
لا أظنك والفاضلون من أمثالك من زعماء الكنيسة البروتوستانتية وهي أنشط كنيسة على الإطلاق ترضون أن يبقى الدين عرضة لسخرية العلماء والباحثين ومحل احتقار الفلاسفة والمفكرين.. ولا أظنك ترضى ونحن في عصر التكتلات أن يبقى عباد الله مشتتين متفرقين لمصلحة الإلحاد والحداثة التي تعبد الفراغ بدل عبادة الله، وتقدس باسم العلم خرافات هي أبعد ما يكون عن العلوم كالقول بالصدفة في خلق العالم والداروينية ونظرية فرويد وغيرها؛ وأفكر أنكم كأميركيين لا يمكن لكم أن تمر على عقولكم حقائق تصادم العلوم أو مشكلات تعيق تقدم الدين إلا وسعيتم في إصلاحها ووضعها في دربها القويم وطريقها الصحيح.

عزيزي جف:
عندما جاء مارتن لوثر بإصلاحاته رُمي بالكفر والهرطقة والعداء للمسيح من طرف أتباع المسيح أنفسهم الذين كانوا يحبون المسيح بصدق، لكن الإخلاص دون علم يسدل دائما غشاوة من العواطف المتأججة على المرء، فتحجب العقل والضمير وتمنع الرؤية السديدة للحقائق كما يجب أن تكون، لكن شجاعة لوثر وصبره ومثابرته أتت ثمراتها في نهاية المطاف وأصبح للمسيحيين بعده الحق في قراءة وتدبر وفهم الكتاب المقدس بعيدا عن سلطة البابا وهيمنته على العقول بعدما كان ذلك محرما على الإطلاق! لكن هل أصلح مارتن لوثر كل شيء؟ هل حل كل المشكلات؟ هل بين كل الحقائق؟!

إن علم الاجتماع يقول لنا إن الحركات الإصلاحية تكون في بدايتها صادمة ولكن محتشمة أيضا، ولا تقدر أن تمضي بإصلاحها إلى غايتها المنشودة. وها نحن اليوم بعد مرور أربعمائة وسبعين سنة من وفاة لوثر نشعر أننا بحاجة لإصلاح جديد يزيل الغموض والإبهام من العقول ويصلح بين الطوائف المسيحية فيما بينها وبين المسيحية والعلوم وبين المسيحية والتاريخ وبين المسيحية وغيرها من الأديان.

بعث الله النبي محمدا مصدقا لإخوانه الأنبياء جميعا الذين بعثوا من قبله وخاتما لهم ومصححا لما طرأ على دينهم من تحريف أو تبديل تعلمه جيدا. إن المسلمين لا يقولون إن دين المسيح باطل..

عزيزي جف:
إن شجاعة لوثر العظيمة في جهره بالحقائق الصادمة في وجه الجمود لتمدني بالقوة كي أقول لك: لماذا تغضون طرفكم عن محمد الذي بعثه الله ليصحح دين المسيح ضد التحريف والتبديل، ويقول للناس إن الدين لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، وأن المسيح عليه السلام – مثله مثل إبراهيم وموسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وهارون ويوشع وداود و سليمان ويونس وزكريا ويحيى – جاء بدين واحد يحوي حقائق واحدة من آدم إلى آخر الدنيا وأن هذه الحقائق لا يمكن أن تتغير أو تتبدل وأن الله الذي خلق فينا العقل العظيم لا يمكن أن يطلب منا أن نؤمن بما لا تقبله عقولنا ولا يمكن أن يحاسبنا بذنب ارتكبه غيرنا، ولا أن يكفر ذلك الذنب بقتل رجل بريء من ذلك الذنب والعقل الأميركي الذي وصل إلى القمة في العلم والنضج والإبداع، لا يمكن أن يقبل بهذا أبدا ولا يمكن لنا أن نسمح للملحدين وأعداء المسيح أن يسخروا من عقائدنا أكثر من هذا!

لقد حرفت ديانة الأنبياء جميعا وبدلت كتبهم.. وكان الله عزّ وجل يبعث كلما اندثر دين نبيا جديدا ليحيي معالم ما اندثر ويصحح أفكار الناس وعقائدهم عن الله والحياة. وأن الله الذي وهب للإنسان هذا العقل الخارق الذي يميز به بين الأمور من جهة، والذي هو رحيم ودود بعباده من جهة أخرى لا يمكن أن يترك دين المسيح وكتابه وهو يعج بالتناقضات والأخطاء، ولا يمكن أن يترك كل هذا دون تصحيح وتقويم..

إن ترك الدين هكذا معناه دعوة الناس في هذا العصر، عصر الأنوار والعلوم إلى الإلحاد ونبذ الدين بجملة، ولذلك بعث الله النبي محمدا مصدقا لإخوانه الأنبياء جميعا الذين بعثوا من قبله وخاتما لهم ومصححا لما طرأ على دينهم من تحريف أو تبديل تعلمه جيدا. إن المسلمين لا يقولون إن دين المسيح باطل..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.