دولة معالي "رأس المال"

blogs - شاب تونسي
لو سألت أي تونسي عن أهم المشاكل التي تنغص حياته، سيذكر لك دون شك وضعية الإدارة والمرافق العمومية في تونس، التي أجزم أن جميعها دون استثناء يحتاج إلى إصلاح جذري يمتد لعقود، والغريب أن الحكومات المتعاقبة رغم عهودها وتعهداتها إلا أنها لم تدخر أي جهد في ذلك بل إنها لم تقدم أي مؤشر إيجابي يبشر ببدء العمل في ذاك الاتجاه متناسية بذلك مشاق المواطنين ومعاناتهم اليومية.

والتقاعس عن الإصلاح وغض البصر عن كثير من الأزمات التي تشهدها المرافق العمومية ليس نابعا من ضعف إمكانات الدولة المادية كما يروج إلى ذلك بل مرده عدم توفر الإرادة في الإصلاح، ولغياب الإرادة ما يبرره، فالسلطة تعي جيدا أن إصلاح المرافق العمومية وتهيئتها سيعود بالوبال على القطاع الخاصّ الذي لا تتوانى في حمايته…

فلو فرضنا جدلا أن الدولة قامت بواجبها تجاه مرفق الصحة وجهزت المستشفيات بما يلزمها من موارد مادية وبشرية وحرصت على نظافتها وتوفير الظروف الملائمة للمقيمين فيها؛ فإنها بذلك تقوم بالإضرار بالمؤسسات الصحية الخاصة التي يلتجأ إليها المريض متحديا رقة حالته وخصاصته نظرا لما توفره له من عناية وجودة في الخدمات وسرعة في التدخل بمقابل يفوق طاقة السواد الأعظم من المواطنين، نفس الأمر بالنسبة إلى التعليم العمومي إذ لا مراء في أن إصلاحه سيكون بمثابة الطعنة القاتلة للتعليم الخاص الذي ارتفع الإقبال عليه في السنوات الأخيرة بعد التدهور الذي أصاب التعليم العمومي والناتج عن معطيات عديدة من بينها الحالة المادية الصعبة للمعلمين والأساتذة في ظل انخفاض أجورهم مقارنة بأجور العديد من الموظفين الذين يتساوون معهم في المستوى التعليمي، أضف إلى ذلك البنية التحتية للعديد من المدارس التي تكاد أسقفها تنقض على رؤوس روادها هذا كله مع ضعف المناهج التعليمية واعتمادها على التلقين والحفظ وغياب الفضاءات الثقافية وخاصة المكتبات داخل المؤسسات التعليمية.

الواقع اليوم في تونس في ظلّ قوة أصحاب المال بل قُلْ سطوتهم وهيمنتهم على مفاصل الدولة يوحي بأن الشعب لم يفقد ثورته فحسب التي قامت على الكرامة والعدالة الاجتماعية بل أشرف على فقدان دولته.

إن قطاعي الصحة والتعليم ناهيك عن كونهما يضمنان حقوقا بشرية لا خلاف عليها يتمتع بها كل الناس مهما كانت وضعياتهم الاجتماعية، فهما كذلك يمثلان شرايين حيوية لأية دولة، فالأوّل تستقيم به حياة الأفراد وسلامتهم الجسدية في حين أن الثاني يستهدف عقولهم وألبابهم، إن التعليم إذا ما أعددناه أعددنا شعبا طيب الأعراق، وإذا ما تركناه وحصرناه على فئة معينة فإننا نعد الخراب للبلد، وللخراب أوجه كثيرة كالجهل والإجرام والإرهاب، ولهذا وجب تحصين هذا القطاع من نفوذ المال بإعادة الهيبة للمدرسة العمومية.

كل هذا لا يعني الأحزاب السياسية التي لا تجعل نصب أعينها سوى السلطة، فهي تدرك أن الديمقراطية التي نعيشها تستوجب إرضاء رأس المال قبل إرضاء الناخبين البسطاء، لأن رأس المال هو من يمهد الطريق نحو السلطة طالما أنه يمسك بكل وسائل صناعة الرأي العام من إعلام مرئي ومسموع وصحافة مكتوبة، كما أنه قادر على تجنيد "النخبة" والمثقفين لصالح من يرضى عنه ناهيك عما يوفره من سيولة ابان الحملات الانتخابية، الكثير منها يصرف في سبيل شراء أصوات الفقراء واستغلال فاقتهم، وبناء عليه وجب فتح كل منافذ الاستثمار لرأس المال وإضعاف "المنافس العمومي" بشتى الطرق والوسائل.

فالحاضر غير الماضي أنّى كان الحاكم يصل إلى السلطة بالانقلاب على سلفه أو بالدم أو بالدبابة ليعمر فيها طويلا، سلاحه في ذلك قوته وبطشه وجنده، ففي أيامنا هذه الوصول إلى الحكم قوامه المال، والجند الذي يحمي السلطة هم أصحاب رؤوس المال. ولذلك تتسابق الأحزاب لاستقطابهم، وليس الاستقطاب هنا مجرد دعوة للانخراط أو الانضمام إلى صفوف حزب ما بل إن الأمر يتعدى ذلك ليتحول إلى استقطاب عن طريق مؤسسات الدولة واقصد هنا تحديدا مؤسسة البرلمان التي تتحول بدورها إلى أداة لخدمة رأس المال من خلال التشريعات التي تصدرها، فكأننا أمام شركة تجارية يشرف عليها مسيرون يخططون ويقررون على حسب ما تمليه عليهم مصلحة صاحب المؤسسة.

إنّ الواقع اليوم في تونس في ظلّ قوة أصحاب المال بل قُلْ سطوتهم وهيمنتهم على مفاصل الدولة يوحي بأن الشعب لم يفقد ثورته فحسب التي قامت على الكرامة والعدالة الاجتماعية بل أشرف على فقدان دولته ومرافقها العمومية التي تكاد تباد عن بكرة أبيها.. لنصبح عمّا قريب في دولة معالي "رأس المال"..