تضيعُ معرفتُنا فتهوي بلادنا!

blogs - صحفيين
قبلَ ما يربو عن عقدٍ من الزمن، تهيأت ليَ الظروف لأمثِّل مؤسستي الإعلامية التي لبّت بدورِها دعوةً أميركيةً للاطلاعِ عن كثبٍ على آليةِ إدارةِ أبرزِ المؤسساتِ الرسميةِ التي تتخذ من واشنطنِ معقِلا لها، وتزاملتُ حينذاك مع عددٍ من الصحافيينِ العرب ونظرائهِم الأجانب من دولٍ متقدمةٍ وأخرى تنتمي لعالَمِنا الثالث.. كنتُ متوقداً حماساً لأخوض غمارَ نقاشٍ وجدلٍ محتدمٍ مع رؤوسِ وممثلي تلكَ المؤسساتِ التي استباحت بلادُها بِلادنا، إذ إن أجواءَ اجتياحَ العراقِ وسقوط بغدادَ في براثنِ المُحتل الأميركي، كانت قد أصابتنا بعميقِ إحباطٍ يوازي ذلكَ الذي نهلناهُ من معينِ بطون كتُبِنا التي وصفت مِقدار الفسادِ الذي عاثهُ المغولُ في عاصمةِ الرشيدِ قبل ثماني قرون، مبددين – مع آخرِ مخطوطة غاصت في أعماقِ دجلة- ذلكَ التراثِ الفكري الذي حوتهُ أرففِ بيتِ الحكمةِ ولم نتعظ به حتى يومنا، فيما تلقّفه سِوانا ليرسموا خارطةَ طريقِ مُستقبلهم.

خُصص لنا نحنُ العربُ فندق وحافلة تُقلنا صوبَ تلكَ المؤسساتِ، وهو ما ينسحبُ على سِوانا من ممثلي الأقاليمِ والدولِ الأخرى، مِمن كانوا يستقلونَها في الموعدِ الدقيق المُحددِ لها، ليتسنى لهم بلوغ الموضِعِ المقصودِ ضِمن الآجال المُرسومة، عاقدينَ العزم على تحقيقِ الغايةِ من وراءِ مجيئهم لعاصمةِ البلادِ التي يرى فيها البعضُ رمزاً للإمبرياليةً، فيما يهيمُ آخرون حباً وانبهاراً بالنموذجِ العصري الحرِ الذي تقدّمهُ.

وبعيداً عن هذا التوصيف أو ذاك، فقد تفرّدتِ الحافلةُ العربيةُ بكونِها الوحيدةِ التي لم تسِر في موعدها، على أنها اضطرت بعد بُرْهَةٍ قصيرةٍ للتحركِ شبة مفرغةِ المقاعدِ غير آبهةٍ بذلك النوم الذي يغطُ به نصف فريقِنا العربي المُتعبِ من انشغالهِ حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليلةِ السابقةِ في التقاطِ الصورِ قرب المعالمِ التي تزخر بها بلاد العم سام، كما لم يُضِع بعض أعضاءِ فريقِناُ الفُرصةَ ليقصدَ مواضِع أخرى يترفعُ المرء عن ذكرها، لأنهم يرون بأن الأمر يستحقُ إجازة من المكبلات التراثية والثقافية وتوارياً عن الضوابطِ الاجتماعيةِ التقليديةِ الضاغطة.

بفعلِ عدمِ إجادةِ بعضنا الإنجليزية بشكل يسهُل فهمه، فقد تراسلَت عيوننا بإشاراتٍ متبادلةٍ تريد اختيارِ أفضلِنا لغةً ليُبادر بسؤالٍ للمسؤولٍ الماليّ الأمنيّ في الإدارةِ الأميركيةِ التي ساهمت سياساتُها في تمزيقِ المشرقِ العربي.

فرغنا من زيارةِ وزارةِ الخارجيةِ التي تُخصّص أجنحةً لسبر أغوارِ أحوالِ جميعِ دولِ العالم، حيث تتفاوت مساحة وعددِ كادرِ تلك الأجنحةِ تبعاً لأهمية البلدِ المراد دراسةِ شؤونه، ولم يرُع اهتمام فريقِنا العربي سوى تلكَ العَمارةِ والزخرفةِ التي تميزت بها هذه المنشأةِ التي يُدار العالمُ من خِلالها ، وهو ما شكّل لنا فرصة ننتهزها لتدعيم رصيدِ أرشيفنا من الصورِ التي امتلأت بها كاميراتنا التقليدية، وفي غمرةِ ذلك تناسينا طرحَ تساؤلاتٍ إزاء فداحةِ التدخلِ الأميركي بالعراقِ وأفغانستان، ومبرراتِ استمرارِ مجافاةِ إدارة جورج بوش الابن للحقوقِ الفلسطينيةِ التاريخيةِ .. والشرعيةِ أيضا.

وبحلولِ اليومِ الثاني من جولتنا، كانَ علينا أن نقصدَ وزارة الخزانةِ لمقابلةِ الشابِ الذي أمضى جميع مراحلَ دراساتهِ العليا في جامعة هارفارد، فقد شغلَ ستيوارت ليفي آنذاك موقع مساعد الوزير لشؤون مكافحةِ الإرهابِ وغسلِ الأموال، وعقبَ دخولِنا مكتبه المحصّن، تبعنا ابن ألـ 39 ربيعا حينذاك من فوره غير متورعٍ في مؤسسة رسمية عن لبس "الكيباه"، وهو غطاءُ الرأسِ اليهوديِ المتعارف عليه؛ طالباً من فريقنا العربيِ توجيه أسئلة مباشرة ودقيقة نظراً لضيق وقته وتعدد المهامِ المناطةِ به، وهو أمرٌ لم نكُن لنرجِّح حصولهَ، إذ توقّعنا أن يُخصصَ وقتاً طويلاً يحمِل في طياته تهليلا وترحيبا بقدومِنا خلال تقديم الشاي والقهوة، أو أن يكلفَ نفسهُ عناءَ السؤالِ عن أحوالِ بلادِنا التي أماطَ حديثهُ اللثامَ عن إحاطتهِ بدقائقِ ما يعتريها.

وبفعلِ عدمِ إجادةِ بعضنا الإنجليزية بشكل يسهُل فهمه، فقد تراسلَت عيوننا بإشاراتٍ متبادلةٍ تريد اختيارِ أفضلِنا لغةً ليُبادر بسؤالٍ للمسؤولٍ الماليّ الأمنيّ في الإدارةِ الأميركيةِ التي ساهمت سياساتُها في تمزيقِ المشرقِ العربي، فتمحورت استفساراتِ البيادقِ منّا حولَ سببِ تعيينهِ في هذا المنصبِ الحساسِ رغم صغَر سنّه، وكيف لهُ أن يعتمرَ تلكَ القبعة أثناء تأديته لمهامهِ الرسمية؟، ومجموعةٌ أخرى من الأسئلةِ التي كانِ يَظنُها أكثر عُمقاً وأقلَّ سطحيةً والتي جعلتهُ يمرُ على إجاباتِها سريعاً ناظِراً إِلَيْناِ شَزراً بفعلِ الوقتِ الذي أهدرَهُ بصُحبتِنا!

حزمنا حقائبَنا في اليومِ التالي لنقصِد عاصمة ولاية إلينويز، إذ أرادَ منظمو الرحلة أخذنا لشيكاغو لتجليةَ الصورة أمامنا حيالَ دورِ بعضِ المؤسساتِ التي تجعلُ من الولاياتِ المتحدةِ أكبرَ اقتصادٍ بالعالم بناتج محلي إجمالي يوازي نظيرهِ العربيِّ بنفطهِ وزراعتهِ وصناعتهِ وسياحتهِ بواقع 7 أضعاف.

إن لم تستفق أمتّنا من سُباتِها المعرفيِّ والفكريّ ِالذي أخذ يشقُ طريقُه منذ سقوطِ بغدادِ الأول مُعززاً مكانتهُ باجتياحها الثاني، فإنِّها ستكونُ عرضةً لمزيدٍ من النزفِ.

في هذا الحين تحديداً، بدأت أستشعر بأننا نواجه أزمةٍ حقيقية على صعُد الانضباط والفكرِ والمعرفةِ المنتشرةِ والمتداولة بعالمِنا العربي مُقارنة بنموذجٍ هائلٍ تقدمّه الولاياتُ المتحدةُ، فقد كانت وجهتنا في ذلك اليومِ إلى أكبر سوق الكترونية لتجارة المواشي عبر الحدود بالعالَم "Chicago mercantile exchange"، وبفضلِ إلماميَ المتواضعَ حينذاك بطبيعةِ عملِ أسواقِ المالِ والسلع، فقد كانَ لديّ تصور مقبول عما نهُمُ بزيارتهِ، بيد أنني فوجئتُ من تساؤلاتِ غالبيةِ أعضاءِ الفريقِ العربيِّ المرافقِ التي تحومُ حولَ طبيعةِ اللباسِ الواجبِ ارتداؤه في ذلكِ الموضِعِ الذي يظنونه مكتظاً بالخرافِ والماعزِ والإبلِ بسبب خصوصيةِ عملياتهِ، كما زادني دهشةً تعليقُ بعضِنا بعدما شارفنا على بلوغ مرادِنا بالقول: "لا يوجد رائحة للخرافِ في محيط هذا السوق"، الذي هو محضُ موقعٍ كبيرٍ يجري عبرَه تداولِ عقودِ الماشية الآجلة الكترونيا بين الدول والشركات المصدِّرة وتلك المستورِدة.

خلُصتُ مِن هذه الزيارةِ الأولى التي أتبعتها بأخرى متعددة، بأننا نواجهُ أزمةً معرفيةً أبجديةً تمخّضَ عنها أخرى فكرية منقوصة ومشوهة، أفضت لاستمرارِ تعامل الآخرين معنا شزراً (باستهتار واستهزاء وتعالٍ)، ذلك العجزُ المعرفيُ العربيُ منتشرٌ حتى في أوساطِ بعضِ الأشخاصِ الذين يُلقى على كاهِلهم تكوينِ قناعاتِ الرأيِ العامِ الغائبِ عن حقيقةِ واقع الأمةِ وتحدياتِها مع استمرارها في قبولِ تعاظمِ الهوّة الحضارية التي تفصلها عن الآخر الذي ليس من الحتمية أن يكونَ أميركيا، إذ ينطبق الأمرُ في هذهِ الحالةِ على الروسيِ والتركيِ والهنديِ وسواهُم ممن يشتركون في بناءِ مشاريعَ بلدانٍ أو أممٍ قادرةٌ على أن تكونَ مُهابة الجانب مستندةً إلى حصيلتها المعرفية التي تولِّدُ أخرى فكرية وعلمية لا تعترض طريق الحضارة المُعاصرة بل تتماهى معها وتنافسها.

إن لم تستفق أمتّنا من سُباتِها المعرفيِّ والفكريّ ِالذي أخذ يشقُ طريقُه منذ سقوطِ بغدادِ الأول مُعززاً مكانتهُ باجتياحها الثاني، فإنِّها ستكونُ عرضةً لمزيدٍ من النزفِ الذي قد لا يقفُ عند حدودِ ما نشهدُهُ في دمشق والقاهرة وصنعاء وطرابلس الغرب.