العازب العربي.. على السّفُودْ

Blogs - Wedding
"وإذا شئت أن تعرف ما سواد المعنى، فاعلم أنه اللون الذي يراه صاحبه المفتون أشد بياضاً من الأبيض، فيسخر القدر من غلوه وغروره، فإذا هو كالوحل جاء في قالب ثلج … وإذا هو سخرية ". بهذه الكلمات ابتدأ شيخ أدباء العرب مصطفى الرّافعي مرافعته على سيدٍ من أسياد اللغة في كتابه "على السّفود" عباس محمود العقَّاد، وها أنا الآن أحاول أن أقف موقفاً مشابها لذاك الموقف، شاهرا إبهام النقد ومقصد المعنى أكثر من كميّة الكلمات وتزاحمها.

وبقدر ما كان الرافعي قاسيا في انتقاداته وبقدر مصداقيتها، إلا أن هذا لا يغيّر شيئا من قامة مثل العقَّاد أو يحطّ من شأنه، إن كلماتي في هذا المقال على قساوتها فإنها بالمثل لا تحط من السادة العزّاب العرب أو تهدف الى الإقلال من شانهم، بل جاءت في سياق نقدي بحت، أول ما يهدف إلى محاولة جلاء بواطن الأمر وخفاياه.

"
إن المتبحر في تاريخ العرب يجد أن عمر العزوبية في أصحاب المدائن العربية المبكرة الكبرى مثل "الحيرة" أطول من أبناء هويتهم من أصحاب الخيام.

دعوني أبدأ من الكلمة الثانية في العنوان التي تتمحور عليها كل دلالات التوصيف ومناسبات البيئة، في الحين الذي كان فيه العربي قديما على ظهر خيله حاجته من الحجر أثافي لقدوره وحاجته للخشب عمادا لخيامه، رزقه في ظل رمحه، يستهويه السفر والترحال، فإنّ كل تلك الظروف المناهضة للعمران على حد وصف ابن خلدون له جعلت من العزوبية ثغرة وعيبا اجتماعيا يعتري العربي، الذي هو بحاجة إلى من يسانده نهارا ويواسيه ليلا، ينجب له من يحمل اسمه ويسنده مستقبلا، جعلته في أمس الحاجة إلى وطن يحمله معه في ترحاله يجده في الزواج، الأمر الذي يوازي أهمية الزواج والارتباط في حينه بأهم أهميات الحياة، وضرورة لمواصلة نمط العربي السائد مثله مثل سلاحه ومطيّته، على استعداد أن يقبل الضيم والتفريط في أي شيء إلا ثلاثتهم.

وما إن ارتفعت البنيان ومهدت الطرق والوديان، انتقل العربي ابن الخيمة إلى طورٌ جديد من أطوار الحضارة وسبل العيش، وأصبحت الحِرَف والصنائع بعض مهنته، بعد أن كان يأنف منها ولا يرى لها قيمة ولا قسطاً من الأجر، يزيد بها هنا ابن خلدون أيضا، فأسقطت أحمال كثيرة عن كاهل العربي،  سقطت معها ضروريات كثيرة منها الزواج وخصوصا المبكر، وما لبثت أن صعدت إلى كاهله أحمال أخرى ساهمت في توسيع فتق العزوبية، وأضافت إليه مسؤوليات سياسية واجتماعية جديدة بعد أن كانت الكلمة في ذلك تنحصر في مجلس قبيلة وخيمة.

وإن المتبحِّر في تاريخ العرب يجد أن عمر العزوبية في أصحاب المدائن العربية المبكرة الكبرى مثل "الحيرة" أطول من أبناء هويتهم من أصحاب الخيام، سيقف مع العربي قديمه وحديثه المسائلة الدينية التي حضته على الزواج وتبكيره، في حين كانت تلك المسائلة قديما تنسجم مع متطلبات عصره، فإنها حديثا ستجد الكثير من عقبات العصر تواجهها وترجئها تبعا إلى متطلبات بروتوكولية أصبحت من المظاهر الضرورية التي يؤثم تاركها ويثاب فاعلها اجتماعيا.

لكن دعونا نضع بعض النقاط هنا على حروفها، فقد اضحى الزواج في وقتنا هذا ليس بتلك الضرورة التي تجعله أولى الأوليات لمرتادي الطموح العالي، إذ إنهم يعلمون كل العلم أن به ستكون طريقهم محفوفه بكل مخاطر الأحلام وقاتليها، وأن نوعية الارتباط تتطلب منه التضحية بأمور هو أشد ما يحتاج اليها في طريقه. أظنّنا كلنا متفقين في أن العازب العربي سيبدأ سباقه متأخر عن نظرائه في العالم بقسط ليس بالقليل، الذي يجعله قبل أن يبدأ في ذيل قائمة المتسابقين، وبما أنه سوف يجد في الزواج والاستقرار تلك الطريق المختصرة التي ستجعله على الأقل يشعر أنه متقدم جدا في انجازاته الشخصية.

فإذا به على حقيقة الأمر يخرج أصلا من السباق، ويجد نفسه محصورا على مقعد مثله مثل أي واحد من المتفرجين، وما إن يزول ضباب إنجازه المزعوج سيكون قد وقع في شرك أسرته الجديدة ومتطلباتها، ويكون قد أودى بطموحاته ومستقبله الذي كان قد رسمه طيلة فترة طفولته، والذي كان أجمل إجاباته حينما يُسألُ طفلا، ماذا سوف تصبح عندما تكبر، أودى به في حفرة عميقة يحثوا عليها الواقع التراب أمامه في مهادنة مقيتة مجبور عليها من طرفه في شكل آخر من أشكال الممانعة العربية.

"
عزيزي العازب العربي، لديك كل الحق في الدفاع عن عزوبيتك بسلاح المقاصد والأهداف، أنت تمتلك سلاحا مبدئيا تستطيع فيه أن تحارب كل أفواه المجتمع العربي الساخط.

أما عندما أتطرق إلى البيئة العربية إجمالا ومجتمعاتها، فإنها تحمّل العازب العربي ذلك العيب القديم الذي حمله قدماؤه العازبين أيام الخيمة والترحال، كما أنه سنرى إنها تحمّله قناطير من الاعباء الوضعية المعاصرة في العصر الحديث، في ازدواجية مفضوحة في جمع أعباء الماضي والمستقبل ملفوفة إلى جانبه تنتظره منذ ولادته مثل قدره.

عندما يدرك ولي الأمر العربي أن الإنجازات والطموح ومطالب النفس هي المحدد الوحيد للزواج فقط، ويتخلى عن جعل الوضع المالي في المركز الأول، سنخطو خطوة كبيرة نحو عزوبية أجمل، أو ارتباط صحيح، الأمر الذي سيعود بمردوده التنموي على المجتمعات العربية مخلصا إياه من كل طفرات العصر الجديد، التي تأثر فيها في محاولاته تقليد تجارب مختلفة عن محتوانا الاجتماعي والديني أو استنساخ محاولات فكرية خاوية المضمون.

عزيزي العازب العربي، لديك كل الحق في الدفاع عن عزوبيتك بسلاح المقاصد والأهداف، أنت تمتلك سلاحا مبدئيا تستطيع فيه أن تحارب كل أفواه المجتمع العربي الساخط، كما أنّك تحمل بين ثنايا سلاحك أسمى آيات الوجود التي بلا شك توفر لك خيار تأجيل، أيما يعترض طريق أحلامك وأجوبة أسئلتك الصغيرة، عزيزي العازب العربي، العزوبية ليست عيبا، كن عازبا لكن تعلم أن تكون عازبا ناجحا.