الحركات الإسلامية بين ضبط القانون ودغدغة الموعظة

blogs - salfi
دخلت الجماعات الإسلامية الحركية شكل التنظيم من باب الدعوة والموعظة إلى الله، وذلك الأمر طبيعي حيث البداية من المسجد، ثم الانتقال إلى المنزل استكمالاً لمتطلبات العمل المنظم، في ظل منع الدول لمفهوم أسلمة تأطير الناس (الشباب في الأغلب) في مقابل شرعنة وجود الجماعات بالقانون اللازم (قوانين الأحزاب أو التجمعات أو…).
 

هذا الجو الإيماني الخاضع لأدبيات الفقيه ذي الاعتبار، ما كان يتطلب أكثر من تدخل الفقه الشرعي الإسلامي ليصوغ خطوط التنظيم باشتراطات بسيطة اعتماداً على أن العلم الحركي يقوم في مجمله على الإيصال إلى الجنة، وأن كل عمل الجماعة الإسلامية يجب أن لا يحيد عن هذه الفكرة، وأن شكل التنظيم وأدواته التي تنظم العمل من القمة إلى القاعدة أو بالعكس، وعلاقاته بالآخر، ما هي إلا وسيلة، وأن هذه الوسيلة تأخذ حيزاً بسيطاً من تفكير الفرد المنظم، إذ الفرد هنا موضوع على طريق الجنة بعمله في التنظيم، سواء أكان عملاً سلمياً أم مسلحاً. هذه الفكرة، بهذه البساطة، كانت مقبولة عندما كانت الجماعة (أي جماعة كانت) محدودة العدد، محدودة أدوات الدعوة والتنظيم (غالباً المسجد)، محدودة الانتشار الجغرافي، محدودية إطلاع الأفراد على ما لدى الآخر (سواء الآخر إسلامي أم غير ذلك) من أدوات التنظيم البشري.

القاعدة القانونية تتساوى مع حياة الفرد العضو في المجتمع، حيث تنضبط حياته بالقانون الذي يرتب جزاء على الخروج عليه، فتشكلت عقيدة الفرد في إجراءاته الحياتية وفق ما أرادها المشرع الدستوري في البلد.

أما وقد زادت الجماعات الإسلامية وانتفخت عدداً وانتشاراً وتشعباً في علاقاتها وتصرفاتها ومكتسباتها ومنجزاتها البشرية والمالية، واختلاط أفرادها بمجتمعات متباينة التنظيم السياسي، ودخول معتركات الحياة التي لا بد من التقنين الوضعي لديمومة سيرها، ما يعني حتمية التعامل مع تلك القوانين في حياتهم اليومية، حتى فيما يخص أعمال الجماعة التي ينتمي إليها، وهذا أوجد عند الأفراد المنظمين حالة من المقارنة الإجبارية بين ما يجري في حياة المجتمع الكبير(الدولة) وما تتم عليه الأمور في مجتمعه الصغير(التنظيم)، وهذه المقارنة من شأنها توليد شعور بالمظلومية لدى الأفراد في نواح كثيرة، ويمكن إجراء مقاربتين في هذا الموضوع:
 

الأولى، التنظيم القانوني للجماعة:
تواكب الدول أي تطور لتقوم بتطوير تشريعها بما يتفق مع المستجد، إذ فلسفة القانون قائمة على فكرة نسبية التشريع الوضعي في الزمان والمكان، بينما في الجماعة الإسلامية يتم سل هذه الفكرة من التعامل الواقعي للتنظيم أو التعامل معها كما التعامل مع مبادئ الشريعة الإسلامية الثابتة، لذلك يبدأ التنظيم بلائحة تنظم عمله وهو بعدد محدود، ويبقى يستنسخ اللائحة في كل مرحلة من مراحل حياته التنظيمية، وإن من تعديل فشكلي، ويبقى الجوهر ثابتاً.
 

خاصية الثبات النسبي طويل الأمد للتشريع التنظيمي تواجه إشكالات المقارنة غير القابلة للمقاربة في ذهن عضو التنظيم، إذ التشريع الوضعي يميل إلى سرعة حل الإشكال، ما يعني عملياً محاولة تصفير المشكلة بقدر الإمكان، وهذا يعطي التشريع الوضعي حيوية الدوام، ما يدفع بالمواطن أن يستشعر الأمن القانوني الذي يفتقده عضو التنظيم الذي يلبس ثوباً تشريعياً قد ضاق بجسمه كثيراً، ولكنه ملزم بأن يلبسه خوفاً من اتهامه بالعصيان وبالتالي اتهامه في دينه.
 

الثانية، بين الضبط القانوني لنظم الحركات الاسلامية ودغدغة الموعظة:

يجب على التنظيمات الحركية أن تنتقل بوعي ومهنية وشفافية من مرحلة (اتق الله واسمع وأطع)، إلى مرحلة الأمن القانوني والأمن القضائي.

في ظل المؤثرات المحيطة بالفرد الثقافية والاجتماعية والتربوية بدأت تتشكل شخصية الفرد في الجماعة الحركية بطريقة لا تتوافق مع موعظة العالم الشرعي، وبدأت تبتعد بالفرد من ميدان أسمع وأطيع وأسلم، إلى رفع اليد في وجه الخطاب الشرعي، وتحليل المضمون بالأدوات التي زوده بها المجتمع، وتحول الخطاب الشرعي من قاعدة قانونية ملزمة (كما في البدايات) إلى قاعدة أخلاقية فقدت إلزاميتها، وتوجهت الناحية الإلزامية فيها إلى الضمير والوجدان والحساب في اليوم الآخر، فأصبح الخطاب دغدغة بكل معنى الكلمة إلا في حالات نادرة هنا أو هناك تضرب كنموذج من طرف قيادي للاقتداء.
 

أصبح الحفاظ على تماسك التنظيم الحركي يحتاج إلى تشريع من شاكلة القانون الوضعي، فصاغت الحركات بمجملها تشكيلة نظام زاوجت فيه بين الشريعة والقانون الموضوعي، وأدخلت فكرة العالم الشرعي في التشريع الجديد، وسارت الحركات عليه خلال السنوات الماضية (يمكن اعتبارها عمر التجربة تقارب التسعين عاماً).
 

في السنوات القليلة الماضية، ظهرت عيوب التنظيم القانوني لهذه الحركات، وبدأت تصدعات هنا وهناك، ويمكن لهذه التصدعات أن تمس الجماعات المتماسكة اليوم إذا لم تأخذ العبرة الحتمية من السابقين، فالارتكان إلى الموعظة لم يعد يجدي، وحضر دور القاعدة القانونية الملزمة التي جاءت معبرة عن إرادة المجموع، والقاعدة القانونية تتساوى مع حياة الفرد العضو في المجتمع، حيث تنضبط حياته بالقانون الذي يرتب جزاء على الخروج عليه، فتشكلت عقيدة الفرد في إجراءاته الحياتية وفق ما أرادها المشرع الدستوري في البلد. ومن هنا يجب على التنظيمات الحركية أن تنتقل بوعي ومهنية وشفافية من مرحلة (اتق الله واسمع وأطع)، إلى مرحلة الأمن القانوني والأمن القضائي (معرفة ما يجب وما لا يجب فعله من خلال النص القانوني المكتوب باحترافية، وتطبيق قضاء التنظيم للتشريع المدون).