التطرف الديني يرسم صوراً كاريكاتورية عن الله والنبي

blogs - charlie hebdo

فلسفة الإقصاء تقوم عند المتطرفين على أن المختلف أو المخالف كيفما كانت توجهاته ولو كان من أقرب الناس لك، لا مكان له في دائرة الوجود، لأن وجوده يسبب التشويش والتشكيك وسيكون صوتاً مسموعاً للكثيرين ومزعجاً لغيره.

إن فلسفة الاغتيال عند المتطرفين تقوم على أسس أيديولوجية ونفسية لا يمكن التنبأ بها، لأنها تبقى متوارية إلى أن تظهر مفاجئة المقربين والمتتبعين، إنها تتأسس على استراتيجية التخويف وإفشاء الرعب على أوسع نطاق، وجعل المجتمع المطمئن لسلامة أفراده يعيدون التفكير في تفاصيل العلاقات التي تجمعهم بالكثير من أقربائهم وجيرانهم وبقية المواطنين، لأن وباء التطرف فيروس عندما يصيب أحدهم ينمو في صمت بين الأقفاص الصدرية ويتناسل بين الأفكار السوداوية لأي كائن إنساني، والذين يعانون من ثقل الدوغما المغلقة على ذاتها والمغلفة بكثير من المزايدات مستعدون للقيام بأي شيء من أجل نصرة منطقهم ورسالتهم.
 

إن انتشار فلسفة الوثوقية عند المتطرفين والتزامهم بالحد الأقصى من التماهي مع مفهوم الواجب، سواء كان دينياً محضاً أو أيديولوجياً صرفاً، يجعل خروجهم كل لحظة بسلوكيات شاذة وبمواقف متطرفة، قضية مبدئية ومسألة فيها الكثير من الاقتناع بكونهم يسطِّرون تاريخاً مثالياً.

إنهم يؤمنون بكونهم يقودون الإنسانية نحو مسار يمحو كل بؤس وتيه وانحراف يمكن أن تشهده الأمم المعاصرة لسبب من الأسباب، وهم أمر السماء ويد القدر لتغيير كل هذه الانحرافات الطارئة على المجتمعات وتحقيق بشارة تطهير الأرض من الدنس ثم تحقيق الخلاص الفردي بالصعود إلى الجنة.
 

إن اغتيال المخالفين والمعارضين وأهل الملل الأخرى مما لهم العهد والأمن مهما كانت دوافعه، يبقى مأساة في قافلة المآسي التي تهب على هذه الأمة من مختلف البقاع، إن هذا الفعل الشنيع يسيء إلى الذات الإلهية أكثر مما يظن هؤلاء كون المخالفين والمعارضين يسيئون لمعتقداتهم المغلقة ولأيدولوجيتهم.

إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن والقتل لتلك النفوس هو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس.

فهُم يغتالون الإنسانية والعقل ويُسخرون كل أدواتهم ومجهوداتهم لقهر إرادة الإنسان المؤمن وغيره من المخالفين حتى لا يكون حراً مستقلاً ومبدعاً ومختلفاً، يوجهون رصاصاتهم وأحزمتهم الناسفة لكل الضمائر الحية والقلوب المتوهجة بالإيمان المصدق بالله القدير وأسمائه العليا الذي جعلنا اختلافنا في العقيدة واللون واللغة آية من آياته.
 

إن هؤلاء المتطرفين يوقعوننا في حيرة وذهول دائم بين أن نتقبل هذه الوقائع الدامية على أنها حوادث يوم عادي في سنة كبيسة؛ لنستسلم لخزعبلاتهم الفكرية وترهاتهم الأيديولوجية وبين ادعائهم بكون هذا العالم كله مختزل في مساوئه، ويجب تسريع نهايته حيث ستتحقق السعادة والعدالة والمجتمع المثالي، ويجب أن نصدق ذلك بدورنا وألا نقف منتظرين تحققه وفقط، بل نلتزم بخطتهم من أجل النهاية السعيدة!
 

إن المتطرف يستهين بالنفوس البشرية ويعتبر أن الذبح والقتل بالأحزمة الناسفة والدهس بالشاحنات لتلك النفوس إنما هو تحقيق لشعيرة من شعائر معتقده، وهو الجهاد باعتباره أعلى مرتبة من مراتب التعبد، لأنه يدخل ضمن باب الجهاد بالنفس. وللأسف من ينظر في خريطة جرائم التنظيمات المتطرفة على شساعة خرائط تمكنها من الجغرافية العربية، لن يجد تفسيراً لكل هذا الاستخفاف بالدماء والأعراض غير كون بعض الثقافة الدينية التي يرتوي منها هؤلاء المتعطشون للدماء لا تقف عن حدود فسادها بل تعدته فأمست تلك الثقافة مميتة وقاتلة لمن يعتقدها.

لقد أصبح هذا الشكل من التدين قاتلاً ومفزعاً، وتجفيف هذه المنابع ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج لتنظيف مضاد مبني على نقد ذاتي وهو ما لا يستطيع الكثير من الوعاظ والعلماء والمثقفين تقبله، لأن فيه مساً بطهرانية مشربهم ونرجسيتهم المعرفية، فلا يقبل الطعن في خلفيتهم الفكرية أو الدينية.

لقد وصل الأمر ببعضهم إلى جعل كل النِّتاج الفقهي والفكري البشري المتصل بالنصوص المقدسة بمستوى المقدس نفسه، وهنا ولدت أيديولوجيا الدين المتطرف وتمكنت وبدأت تخوض الحروب باسم الإله الذي رسموه في حالة غضب دائمة، يرفع أعلاماً لحرب لا تضع أوزارها أبداً، وصادرت هذه الفئة كل التفسيرات والتأويلات لصالحها، سواء الدنيوية أو الأخروية.

إنهم نموذج مستعاد لذي الخويصرة حرقوص بن زهير التميمي ت 37هـ الذي قال للرسول الأكرم اعدل يا محمد! ليرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. هذا النموذج المتنطع قادر على هتك كل المحارم وانتهاك كل المحرمات، وادعاء أنه الأقدر على ايصال الناس للجنة بأمان أو ردهم عن النار بالترهيب.
 

هؤلاء لا يحفظون أو يؤولون بشكل سيء قول الرسول يوم حجة الوداع: فإنَّ دماءَكم، وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا، هل بلَّغتُ؟ وقد يشهدون بعد ذلك بأن نبيهم لم يبلغ شيئاً! هؤلاء يمسحون عن كتبهم قوله عليه الصلاة والسلام: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ويغلقون أعينهم عن قوله تعالى: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (سورة المائدة). إنهم مستاؤون جداً من كل هذه النصوص وغيرها، لذلك فهم من يرسم رسومات كاريكاتورية ساخرة عن الإله والنبي والدين بأفعالهم الإجرامية، وبتفسيراتهم المختلة، واغتيالاتهم وحوادث الدهس وتفجيراتهم دليل على انهيار أطروحاتهم، وارتباك منطقهم وخسة مقصدهم.